عاتبني بعض المقربين على إفراطي في الكتابة بالإنجليزية وتفريطي في الكتابة بالعربية، علاوة على أني إن كتبت بالأخيرة قلت ”ما لا يفهم“، ومن ثم فقد ارتأيت أن أعرض لهذا العنوان في عجالة، قبل أن أعود بعد طول انقطاع لأكمل سلسلتي في شأن المسؤولية بما لا يفهم.
يعلم القاصي قبل الداني أن الإسلاميين – كما تنبأ أصحاب هذه المدونة – قد اكتسحوا المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب، والأرجح أنهم في طريقهم لتثبيت هذا الفوز، إن لم يزيدوا عليه، في المرحلتين المقبلتين. لذا، فليس حديث الساعة إلا عن معركة مقبلة بين الإسلاميين وطرف أو أطراف أخرى. ولأني – ولو نظريًا – محسوب على أحد هذه الأطراف (الليبراليين عند محسني الظن، وجمال مبارك / المخابرات العامة / الصهيونية العالمية وأصابعها الخفية عند مسيئيه) فقد عزمت على أن أخط برنامجي لهذه المعركة على مراحل ثلاثة، أولها تبديد الأوهام، ثم الدفاع، وأخيرًا الهجوم.
أولا: تبديد الأوهام الليبرالية السبعة
لا يمكن لأي من كان، أن يخوض معركة وهو غارق إلى أذنيه في أوهام لا أصل لها، حول ما له وما لعدوه من عتاد واستعداد، وحول هوية حلفائه القائمين والمرجوين، بل حول هويته هو نفسه، وهذا – وأدهى – هو حال ”الليبراليين“ المصريين، إن كانت التسمية ممكنة من الأصل. ومن ثم، فلا معركة إلا بعد تبديد الأوهام، وأهمها – في حدود ما سمعت وقرأت – سبعة، تجتمع حينا وتنفرد أحيانًا، لكنها جميعًا على ما يكفي من السفاهة والتضليل، فها هي إليكم مع ما تيسر من تبديد:
1- المعركة المقبلة بين الإسلاميين والجيش حول استقلال المؤسسة العسكرية دستوريا، علينا أن نصطف خلف الجيش
صحيح أن الإسلاميين سيسعون للسيطرة على المؤسسة العسكرية، لكن فشلهم في تحقيق هذه السيطرة دستوريًا لا يعني أنهم سيعجزون عن إخضاع المؤسسة لرغباتهم (شكل توضيحي (أ): حزب العدالة والتنمية التركي). المؤسسة العسكرية تدين بالولاء للدولة المصرية، وفور اقتناع الإسلاميين بصعوبة التدخل المباشر في شؤون القوات المسلحة، سيتجهون لإحكام السيطرة على الدولة نفسها، بإقامة نموذج فاشستي كوربوراتي يجعل الفصل بينهم وبين مؤسسات الدولة مسألة مستحيلة، وهو ما سيرغم الجيش على الانصياع لتوجيهاتهم (في شأن الميزانية وما عداه) دون مقاومة. (شكل توضيحي (ب): الجيش الألماني في عهد النازي). لذا فمعركة ”وثيقة السلمي“ وما شابهها ليست إلا سرابًا، فالمؤسسة العسكرية ستكتفي بالدفاع عن مصالحها، وهي كفيلة بذلك، لكنها لن تخوض صراعًا حول هوية بقية مؤسسات الدولة بالوكالة عن أي تيار سياسي.
2- هناك انقسام بين الإخوان والسلفيين، علينا أن نزيده عمقا بالضغط على نقاط الخلاف أو نتحالف مع الإخوان ضد السلفيين
الانقسام بين الإخوان والسلفيين ليس انقسامًا أيديولوجيا أصيلا، وإنما هو نابع من اختلاف المقاربة السياسية بين البراجماتية والمثالية. والبراجماتية، بالتعريف، تؤدي بصاحبها إلى التصرف تبعًا لما تفرضه الظروف الخارجية من ضغوط، وأشد الضغوط وطأة على حركة يمينية كالإخوان، هو الضغط من جهة أشد يمينية كالسلفيين. باختصار، فإن إبراز الفوارق بين الإخوان والسلفيين، سيؤدي إلى اتهام دائم من قبل السلفيين للإخوان بأنهم منافقون، وهو ما سيدفع الإخوان لاتخاذ سياسات أكثر تشددًا للتأكيد على ثباتهم على مبدأهم. الخلاصة ألا مفر من التعامل مع الإسلاميين باعتبارهم وحدة واحدة، طالما ينطلقون من أصل واحد هو شمولية الإسلام وحاكمية النص.
3- الإسلاميون سيعتدلون بعد ممارستهم للحكم، فعلينا أن نساعد في دمجهم في النظام السياسي بالحوار والتحالف معهم
بالإضافة إلى ما ذكرت في النقطة السابقة، فإن التعامل مع الحركات الشمولية باعتبار أنها حركات سياسية عادية تقبل مفاهيم من نوعية الاعتدال والتشدد ليس إلا ضربًا من السذاجة (شكل توضيحي (ج): كل ساسة أوروبا ممن أفتوا بأن الحزب النازي سيضطر للاعتدال فور وصوله للحكم). الحركات الشمولية تتبع سياسات تحويلية transformative، بمعنى أنها لا تتأقلم مع الواقع وإنما تسعى لتغييره جذريًا. وبالرغم من كون الإسلاميين جزء من الواقع السياسي المصري، لكن التعاطي معهم كضرورة واقعية مرة، يختلف كل الاختلاف عن اعتبارهم شركاء في الوطن وما إلى ذلك من سفاهات النخب المصرية.
4- الإسلاميون سيفشلون في إدارة البلد اقتصاديا، وسينهارون من تلقاء أنفسهم في الانتخابات المقبلة
بغض النظر عن الكراهية العميقة التي يكنها اليسار المصري ومن لف لفه من أدعياء الليبرالية للسياسات الليبرالية الجديدة في السنين الست الأخيرة من حكم مبارك، لا يمكن لأي عاقل يجيد الحساب أن ينكر أن الأوضاع الاقتصادية في مصر تحسنت بشكل ملحوظ في هذه السنين المعدودة، بالرغم من ذلك، فإن سخط المصريين، وفي جهة الاقتصاد تحديدًا، بلغ أوجه في نفس الفترة. ففي بلد سعر الخبز فيه هو الأدنى عالميا، ويباع فيه الوقود بسعر أدنى من الدول المنتجة للبترول، في ظل دعم حكومي هائل – لهذه السلع وغيرها – يلتهم ما يربو على ربع الإنفاق الحكومي، خرج المتظاهرون يطالبون بـ ”خبز و حرية وعدالة اجتماعية“. القصد أن حال السياسة ليس بالضرورة انعكاسا للاقتصاد، ونجاح الإسلاميين في تدشين مشروعهم السياسي قد يكون كفيلا بإقناع المصريين ولو بالصبر على الأحوال الاقتصادية (شكل توضيحي (د): إيران).
5- مشكلة الليبراليين أنهم غير منظمين ونخبويون، علينا أن ننظم أنفسنا ونتواجد في الشارع
هذه الحجة يعرفها كل ممارس للسياسة الحزبية المصرية من عهد مينا موحد القطرين، يمكن أن نسميها بحجة ”عبده السباك زبون قهوة حمادة“، ومفادها أن هناك كائن خرافي، اسمه ”عبده السباك“، لا يشاهد التلفاز ولا يستمع للراديو ولا يقرأ الصحف، وبالطبع هو لا يعرف شيئا عن الإنترنت ولا يركب المواصلات العامة، والوسيلة الوحيدة للوصول له هي الجلوس إليه في ”قهوة حمادة“. ”عبده السباك“ هو المصري الحقيقي الذي يمثل الثمانين مليونا ونيف، أو على الأقل الذين يصوتون منهم. والسؤال الأساسي في أي تنظيم سياسي مصري غير إسلامي هو كيفية بناء تشكيلات حزبية متراصة تسمح بوجود داعية سياسي مقيم في ”قهوة حمادة“، وظيفته الأساسية إقناع ”عبده السباك“ بالتصويت لهذا التنظيم في الانتخابات المقبلة، عن طريق تقديم الخدمات الاجتماعية من نوعية علاج خالة ”عبده“ في مستوصف الحزب، أو توظيف ابن أخته في شركة رئيس الحزب. بالطبع، ليس هذا إلا محض هراء، فهو تسطيح بالغ لنجاح الإسلاميين في السيطرة الكاملة على مفردات الخطاب الأخلاقي/السياسي في مصر، عبر التأكيد على أن الصوت الذي يذهب للإسلاميين صوت إما جاهل وإما مرتش أو كليهما معا. ما يتغافل عنه أصحاب هذه الحجة البلهاء، أن قطاعا واسعا من قادة التيار الإسلامي يحمل الشهادات العليا فيما يستعصي من العلوم والفنون (شكل توضيحي (هـ): أبو اسحق الحويني خريج ألسن أسباني، ومدرسة السلفية السكندرية كلها أطباء)، بل وأن التيار الإسلامي يكاد ينفرد بالسيطرة على النقابات المهنية بين المحامين والأطباء والمهندسين والصحفيين ومن عداهم. الخلاصة أن العبرة بما يقال، وليست بكيف ولا أين يقال، وأن مربط الفرس هو إقناع المصريين بخطاب سياسي متماسك ولو كانت نقطة البدء على صفحات الإنترنت. ولو أن كتّابنا ”الليبراليين“، الإلكترونيين منهم والورقيين، قالوا شيئا ذا قيمة منذ نصف قرن، لكان حالنا غير الحال.
6- مشكلة الليبراليين أنهم منقسمون، علينا أن نوحد كل ما ليس إسلاميا في صف واحد
الليبرالي لا يعرّف بكونه ”ليس إسلاميا“. ليس ثمة ما يجمع ليبراليا كلاسيكيا، مع فوضوي نقابي، وناصري عروبي، وشيوعي تروتسكي في خندق واحد، لا كراهية الإسلاميين ولا غيرها. فالمحاولات المستمرة لجمع هؤلاء، ويزيد، تحت مظلة ”الليبرالية“ أو ”المدنية“ لا تنم إلا عما أسلفت في النقطة السابقة، أنه ليس لدى أحد من كل هؤلاء ما يقوله للمصريين، غير أن الإسلاميين ”ناس وحشة“. مرة أخرى، القضية المحورية هي صياغة خطاب سياسي متماسك ومفصل، لا يعتمد فقط على برامج اقتصادية تطبيقية، وإنما أيضا على رؤية أيديولوجية تفسيرية للعالم ترتكز على نظرية أخلاقية / سياسية واضحة، وهو ما لن يتأتى في ظل تجمعات ”المعامل المشترك الأدنى“ القائمة على التحالفات الواسعة.
7- الثورة لم تكتمل، لابد من إكمال الثورة حتى ينصلح الحال
ليس عندي رد عقلاني على مثل هذا الخرف، فقط أقول مع الشاعر القديم:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
الليبرالية الشكلانية
فى الحلقة الاولى من حلقات ثلاث، أحاول فيها عرض لحضراتكم - قدر المستطاع – تحليل وتوصيف النخبة الليبرالية المصرية، وكبف أنها تتحمل المسؤولية الأولى عن تدهور وضع الحريات الفردية فى مصر نتيجة خطاب أقرب ما يكون إلى سطحية التحليل وإختزال النتائج والآمال فى صندوق إنتخاب.
حمل المقال السابق الشق الاول من تحليل النخبة الليبرالية المصرية والخاص بـ ” مدرسة الليبرالية الوطنية” وهى الاقدم بين نظيراتها من التيارات الليبرالية المصرية، والتى قدمها إلى النور النخبة المصرية فى بدايات القرن المنصرم؛ التحليل السابق والحالى مقتبس من ورقة بحثية لإتحاد الشباب الليبرالي المصرى فى تحليل للتاريخ المصرى الحديث تحت مسمى (المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية)
هذه الحلقة ستتناول الشق الخاص بالليبرالية الشكلانية؛ فقط للتوضيح كتب هذا التحليل خلال عام 2010.
ب – الليبرالية الشكلانية
الشكلانية وصف يطلق على الممارسات والأفكار التي تهتم بالشكل دون المضمون. لذا فإن ما نسميه بالليبرالية الشكلانية يتضمن مجموعة من الحركات السياسية والفكرية التي تستوحي أشكالا غربية تطبيقية لليبرالية، دون أن يكون لديها فهم واضح للأسس الفكرية التي بنيت حولها هذه الأشكال، ودون أن تسعى للتأصيل لها في السياق المصري. وتعود نشأة الليبرالية الشكلانية إلى المؤسسات والوثائق القانونية والاقتصادية التي استخدمتها دول المعسكر الغربي كوسائل للدعاية والضغط في صراعها ضد انتشار الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت بعد الانتصار الليبرالي في الحرب الباردة وفي إطار العولمة إلى ما يشبه دستورًا للعالم أجمع.
بسبب انحياز النخبة السياسية المصرية التاريخي ضد الغرب، والذي يعود إلى الخطاب الليبرالي الوطني كما أسلفنا، لم تظهر الليبرالية الشكلانية في مصر إلا بعد انتهاء الحرب الباردة، حين بدا أنه لم يبق ثمة بديل مقبول عالميا لليبرالية. فالانتصار الساحق لليبرالية الغربية أدى بالكثيرين إلى مراجعة مواقفهم، خاصة في ظل إغواء العولمة وخطاباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة كلية. تدريجيًا، تبلورت في مصر حركتين ليبراليتين شكلانيتين، الأولى، تنطلق من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمؤسسات القائمة عليها، والثانية من أفكار العولمة الاقتصادية والمؤسسات القائمة عليها.
يختزل خطاب الليبرالية الحقوقية الحرية إلى مجموعة من القواعد المجردة، ويغض النظر عن البناء الفكري والأصول التاريخية والمجتمعية لهذه القواعد. أما ليبراليو العولمة الاقتصادية، فهم ينطلقون من مبدأ أولوية الاقتصاد، فيرون أن الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، بغض النظر عن ثمنه السياسي والاجتماعي، سوف يؤدي في النهاية إلى التحول الليبرالي الكامل. وبالرغم من نجاح الليبراليين الحقوقيين في الضغط على النظام السلطوي عن طريق الآليات الدولية، ونجاح ليبراليو العولمة الاقتصادية في تحقيق مؤشرات اقتصادية جيدة بانخراطهم في العمل الحكومي، فإن كلا الخطابين عاجز تمام العجز عن مواجهة أي انتقاد عميق لليبرالية، أو حتى صياغة خطاب مقنع لعموم المصريين، وبالتالي تحقيق أي نجاح شعبي يذكر في ظل هيمنة الشموليين على المجال العام. كذلك فإن كلا التيارين يعتمد تمام الاعتماد على الظروف الدولية التي تتغير تبعا لتوازنات مصالح الدول الكبرى بين الأمن والاقتصاد وعقدة الذنب الكولونيالية.
ثلاثة أجزاء من ورقة بحثية لاتحاد الشباب الليبرالي المصرى
خلال قرأتى لتعليق أحد أصدقائى فى إحدى الصحف الاجنبية بعدما كان السؤال: عن التيارات الليبرالية المصرية، قال إنه لا يمكنه أن يصف كل شيوعي ويساري مصر بأنهم ليبرالين، فمؤخرًا أضحى كل ما هو ليس إسلامى بالضرورة ليبرالي أو هكذا يتم توصيف الامر إعلاميًا.
ولما كان فى ذلك لغط عظيم، كان لابد من توضيح وتوصيف تيارات الليبرالية المصرية وكيف أنها ذاتها أبعد عن أفكار وفلسفات الليبرالية، لهذا ففى هذا المقال وما يتلوه من أجزاء ثلاثة سأقوم بعرض أجزاء من تحليل “إتحاد الشباب الليبرالي المصرى” للتاريخ المصرى الحديث فى إحدى أوراقة البحثية التى تحمل عنوان المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية .
قبل البداية، أود أن أعرض لحضارتكم موقف شخصى حدث لى مع صديقيى “صامويل تادرس و عمرو البرجيسى” وهم فى الوقت ذاته أعضاء مجلس إدارة فى “إتحاد الشباب الليبرالي المصري” منذ ما يقارب عامين.
قبل أربعة أعوام، فى حديث بيننا كان سؤالهم الاول، ما الليبرالية؟ كان الرد الذى تكون فى ذهنى آنذاك…
“الليبرالية مش حاجة جامدة .. وهى مش إيدولوجية .. وهى فكرة مرنة لتقبل أى شيئ .. وهى طبعًا أنك تعمل كل اللى انت عاوزة ما غير ما تتدخل فى حرية الاخرين .. وكان المثال الاشهر ببالى آنذاك حريتك تقف عند حريات الاخرين وبمعنى أخر حريتك تتوقف عند أنفى”
كان سؤالهم التالى: تعرف إيه هى الرأسمالية؟
جاء ردى: الرأسمالية هى السوق الحر، وهى أحسن من الاشتراكية وكمان أحسن من الشيوعية، وهى أحسن علشان مبيكونش فى بيرقراطية.
وأضفت ايضًا: كمان حقوق الانسان، الليبرالية بتدافع عن حقوق الانسان، وعن حرية الرأى والتعبير والحرية الدينية والمساواة وكمان أنه الدين ميدخلش فى السياسية … وأن الدين لله والوطن للجميع .. وكمان شوف الغرب متقدم علشان هو ليبرالي .. وكمان الليبرالية هى العلمانية أو يعنى الاتنين حاجة قريبة من بعض.
إنتهى..
بعد هذا الاجتماع تبين لى أن ما أقول أنى مؤمن به لا أعلم عنه شيئًا فكان واضحًا أن تعريفى لنفسى وأفكارى هو تعريف سلبى، بمعنى أنى أدرك ما لا أريدة ولكنى لا أدرك ما أريده.
منذ ذلك اليوم وأنا فى عمل دائم لفهم طبيعة الليبرالية، وأنا على يقين أن محاولات الفهم لن تنتهى وهو بناء لا يتوقف.
بين فترة واخرى يأتى أفراد يرغبون فى الانضمام إلى الاتحاد، وحين أسمعهم أدرك حجم المأساة التى تتسبب فيها النخبة الليبرالية المصرية فى تحديدها لطبيعة ومفهوم الليبرالية.
وفيما يلى سأعرض لحضراتكم الشق الاول وهو جزء من القراة التاريخية لتيار الليبرالية الوطنية والمقتبس من ورقة بحثية خاصة بإتحاد الشباب الليبرالي المصرى، تحت إسم (المسألة المصرية وأصولها … رؤية ليبرالية كلاسيكية)
أولا: الليبرالية الوطنية – القومية
لم ينشأ مفهوم الأمة المصرية بدوره بشكل طبيعي، بوصفه نتاجا لنمو الشعور القومي كما جرى في أوروبا أعقاب الحروب النابوليونية مثلا، وإنما جاء اختراعًا بورجوازيًا خالصًا. فأولا، طرح الليبراليون الوطنيون فكرة سيادة الأمة في مواجهة غير المصريين، وبالتالي طرحوا أنفسهم كممثلي الأمة في مواجهة الانجليز، في الوقت الذي كان فيه معظم المصريين لا يلقون بالا للانجليز أو لا يعرفون بوجودهم من الأصل، وفي ظل فصام منهجي في علاقة الليبرالية الوطنية بالغرب، الذي هو الأستاذ والنموذج الليبرالي الحداثي من جهة، والعدو الذي يجب التخلص منه من جهة أخرى. وثانيا، طرحوا فكرة سيادة الأمة في مواجهة الحكومة، وهو مفهوم قريب من مبدأ السيادة الشعبية المختلف عليه في الطرح الليبرالي الكلاسيكي، وإن اختلف عنه في أن الأمة المصرية، كما يطرحها الخطاب الليبرالي الوطني، لا تتشكل من مجموع المصريين، الذين كان معظمهم من الفلاحين الأميين في فترة نشأة المفهوم، لذا فهم – في نظر البورجوازيين – عاجزون عن تقرير مصالحهم بأنفسهم، وبالتالي فالليبراليون الوطنيون وحدهم هم القادرون على تقرير مصلحة الأمة والاضطلاع بمهام الحكم. ومن ثم فثالثا، قدم الليبراليون الوطنيون مفهوم الوحدة الوطنية الذي يقسم الأمة إلى عناصر (أديان – طبقات) تتحالف معًا لتحقيق مصلحة واحدة غير متمايزة وغير محددة، الأمر الذي يضمن الشعبية الجارفة للتيار الليبرالي الوطني بين الأفراد المكونين لهذه العناصر عن طريق ضمان تأييد قادتها، ودون الحاجة لتوجيه خطاب سياسي خلافي يحقق مصالح بعض الأفراد في مواجهة البعض الآخر.
بالرغم من الثمار التي جنتها البورجوازية المصرية في ظل النجاح الاقتصادي الساحق والانفتاح السياسي المحدود تحت حكم كرومر، اجتمعت العجرفة الانجليزية المفرطة وفشل خلفاء كرومر في الاستمرار على نفس النهج ثم ظروف الحرب العالمية الأولى لتجعل من التيار المتحالف مع الانجليز تيارًا هامشيًا. أما تيار الخلافة الإسلامية، فقد انزوى تدريجيا بعد وفاة مصطفى كامل ثم انهار تمامًا بسقوط الخلافة وتفكك الدولة العثمانية بعد الحرب. لم يبق إلا تيار الاستقلال التام، الذي نجح في استغلال ظروف ما بعد الحرب لتحقيق شعبية جارفة، ليصل بعد ثورة 1919 وسلسلة من الصراعات والمفاوضات مع الانجليز إلى تحقيق استقلال مصر (مع تحفظات انجليزية شهيرة)، ثم – وبعد خلافات عدة بين الليبراليين الوطنيين – إلى صياغة دستور ليبرالي عرف بدستور 1923، والذي استهل فترة من الحكم النيابي عرفت فيما بعد بالحقبة الليبرالية، والتي، بالرغم من العديد من الانقطاعات والتدخلات من جانب القصر أو الانجليز، استمرت بنجاح حتى يوليو 1952.
بالرغم من النجاح النسبي الذي حققه التيار الليبرالي الوطني، خاصة فيما يتعلق بسؤال الاحتلال الانجليزي الذي انتهى تقريبا بتوقيع المعاهدة المصرية الإنجليزية عام 1936، لم يتحرك الخطاب الليبرالي الوطني قيد أنملة، بين الفصام في علاقته بالغرب والإصرار على فكرة المصلحة الواحدة للأمة التي يحتكر الليبراليون الوطنيون معرفتها وتحقيقها. وفي ظل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مصر في أنجح مراحل تحولها إلى الحداثة، ظهرت بورجوازية جديدة درج المؤخون على تسميتها بالأفندية الجدد. جاءت نشأة الأفندية الجدد، على العكس من أسلافهم، بمعزل تام عن التأثير الغربي، ومن ثم – وفي ظل الخطاب السائد – تحولت علاقتهم بالليبرالية من علاقة فصامية إلى عداء صرف، ليشكلوا نواة المشروع الشمولي المصري ويحملوا لواءه حتى انتصاره الدامغ في 1952، في ظل رضوخ ليبرالي تام للخطاب الشمولي الجديد، بحثا عن شعبية 1919 الجارفة دون جدوى.
اختفت الليبرالية الوطنية تحت وطأة القمع الناصري إلى أن فتح السادات الباب لعودتها بتوجهه الاقتصادي الانفتاحي، وابتعاده عن الاتحاد السوفييتي، وسماحه بالتنظيمات الحزبية وبمساحة من الحرية الصحفية والأكاديمية. عادت الليبرالية الوطنية لتحقق نجاحا لا بأس به على المستويين النخبوي (الصحافة، التأريخ) والشعبي (حزب الوفد الجديد)، لكنها أصرت على اجترار خطابها التقليدي، وأمام عجزها التام عن مراجعة هذا الخطاب وتقديم تفسير مقبول لفشلها الذريع وتحمل مسئوليتها التاريخية، أضافت حجة جديدة إلى خطابها فحواها أن ما جرى في مصر منذ 1952 هو “تدهور غير مفسر” على كافة المستويات، الأمر الذي انتهى بها إلى الفشل الجماهيري مرة أخرى. فأولا، لا ترى الأغلبية الكاسحة من المصريين التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جاء بها نظام يوليو تدهورًا، خاصة في ظل إحالات الليبراليين الوطنيين إلى ماض مفعم بالتنوع الديني والعرقي والمدنية والثقافة في وقت كان جل المصريين فيه لا يعرفون القراءة والكتابة ويعيشون في قراهم في فقر مدقع دون أن يخرجوا منها ولو مرة في حياتهم. وثانيًا، حتى إذا أراد الليبراليون الوطنيون افتراض التدهور، فإن هذا لن يكون ممكنا إلا بالاضطلاع بمسئوليتهم التاريخية بوصفهم السبب الرئيسي في نشأة المشروع الشمولي المصري، بما يترتب على ذلك من مراجعة الأساس الفكري لخطابهم السياسي، وبما يتضمن إعادة النظر في فهمهم للعلاقة مع الغرب وإسقاط المفاهيم الفصامية من نوعية “استقلال الإرادة الوطنية” أو “الرأسمالية الوطنية”، ثم، وهو الأهم، التأسيس لخطاب سياسي يعترف بتنوع مصالح المصريين وتعدد خلفياتهم، مع شطب مفهوم الأمة الواحدة أحادية المصلحة من معاجمهم إلى الأبد.
فى الدفاع عن المستضعفين
أن تشعر أكثر بمعاناة البشر وتميل إلى الفقراء وتساعد المستضعفين وتقف ضد الطغاة المستغلين أصحاب النفوذ والمال، أن تدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وتضمن للعمال حقوقهم ضد من يستعبدونهم، أن تقف مع المرأة ضد إستغلال الرجال، أن تتخلص من طبقتك كى تذوب مع الطبقات الأقل وتتعامل معهم بإدراك واع أنه لا فروق بينك وبينهم وأنك أحدهم، أن تشعر بالنقمة على الملكية الخاصة، أن ترى فى مؤسسة الزواج والعائلة والعلاقات الانسانية سلطة تتحكم فى حياتك وحريتك الفردية ويجب زاوالها.
بهذه الخطوات يمكنك أن تكون يسارى، يملؤك الفخر والشجاعة ناظرًا إلى الاخرين على أنهم مجموعة جبناء لا يمكنهم الوقوف مثلك أمام تاريخ البشر الطويل من الإستغلال والجشع وأنهم يفتقرون لأبسط المشاعر البشرية وأن الانانية محور حياتهم.
إعتاد اليسار – على إختلافه – إحتكار صورة المدافع عن الناس عامة والمستضعفين خاصة، وأضحت اليسارية شرط وجوب لمن يريد الدفاع عن البشر وهو أمر راسخ كجبل بألباب أبناء جيلى إلا من رحم ربى، حتى أن أحدهم ذكرت لى ذات مرة “علشان الواحد يدافع عن الناس لازم يبقى يسارى”.
فى غرفة محكمة جنوب القاهرة أو “باب الخلق” كما إعتاد المحامون ذكرها، كان حديث دائر بين العديد من المحامين من مختلف العمر، يسار معظمهم، كانت المرة الاولى الذى أقدم فيها على عمل تطوعى بصفة محام – تم ذلك لإسباب عدة لا محل هاهنا لذكرها – كانت لدى لحية خفيفة، فأعتقد الغالبية العظمى من السادة المحامون أننى من الإخوان وتعامل معى اليسارين منهم على ذلك وذكر أحدهم موجهًا حديثه إلي “يا أستاذ الزملا برة بيسألوا عليك” فكان ردى “مين” فقال “محامين الاخوان” فكان ردى بإبتسامة “أنا مش إخوان”.
ساد الصمت لبرهة غرفة المحامون حين ذكرت ” أنا ليبرالي” تبادل الجميع النظر وتجنبنى الكثير، وعبر أحدهم عن كيف أكون ليبرالي وأتطوع فى شيئ كهذا فأنتم بعيدين عن هذه الافعال بعد المياة عن ظمأى نهار الصحراء.
ناهيك عما فى ذلك من مغالطات تاريخية وفكرية وواقعية لنتائج فلسفات الليبرالية على حياة الافراد بشكل عام والمستضعفين بشكل خاص، ونكران عن وعى أو دونه لتاريخ دموى تم ولازال تحت مسمى العدالة الذى يردد على أنه معطى غير قابل للنقاش، ويهدف يسارى وطنى إلى تحقيقه مرتأين فيه الوسيلة المثلى للدفاع عن المستضعفين.
يكمن الفرق بين الليبرالية الكلاسيكية واليسار على إختلافه فى أمور عدة، أهمها المسؤولية، فالاولى تفرض على الافراد مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين بشكل طوعى –إلا ما يدخل فى إطار عمل الدولة-، أما محور فلسفة اليسار هو التخلى عن كل المسؤولية للدولة، حيث أنها ستنظم المجتمع والافراد بشكل قسرى من خلال رؤية مسبقة، يبقى فيها على كل الافراد المستضعفين ودونهم أن يدخلوا فى هذا الاطار وليس لطموحهم الفردى مجال، حيث إنه إما يفسر على أنه أنانية أو رفاهية نحن فى غنى عنها، تنتهى حياة الافراد فى دول كهذه بتحول البشر إلى آلات لتحقيق أحلام منظمى الدولة وليس لاحلام المستضعفين أو دونهم مجال، ومعها يبدو جليًا الاكذوبة التى يحيا عليها اليسار من كونه مدافع عن المستضعفين.
عنوان مقتبس من حديث بينى وبين صديقة
كثيرًا ما أرغب في الكتابة دون التفكير فى خاتمة المقال، فأغلب الوقت إن لم يكن جله لا يوجد لدى ما أقوله فى نهاية الكتابة فالاسئلة تفوق الاجابات بمراحل عدة؛ اليوم وبعد فترة جهاد داخلية، قررت فقط أن اكتب دون النظر إلى ضرورة تماسك نقاط المقال، قررت فقط الكتابة كيفما أفكر. فعذرًا إن كانت النقاط شديدة التباعد.
أذكر جيدًا تعليق أحد معارفى على هذا العام – حيث مثلت بدايته إنقاذاً لحالة العبث التى يحياها كثيرين فى مقتبل العمر وقلائل ممن إكتملت ألبابهم – حين قال “فى عام 2011 مبارك رحل وبن على وهناك ثورة فى ليبيا وسوريا واليمن والبحرين..وأزمة إقتصادية للرأسمالية..لا يمكننى أن أطلب المزيد، شكرًا 2011″. يبدو منطقيًا لأمثالى – والذى لا يتعدى عددهم أصابع اليد – أن تغمرهم الفرحة مع كل أزمة تحدث خلال هذا العام خاصة وأن ما تمسكوا به من إيمان فكرى – وقت ثورة إقتعلت إيمان وعقول ممن كان لديهم القليل منه – يثبت صحته يومًا بعد الاخر.
يوم رحل مبارك، محدثًا أحد الاصدقاء، عن توقعاتها بعد رحيل مبارك، قالت لى ” ده وقت الفرح وأنا مش مستعدة أناقش أى حاجة معاك، وأنت لازم تخرس علشان كل أفكارك أثبتت أنها مش صحيحة”. لا أعلم كيف لا يكون لى أيضا وقت فرح كأخرين، حين ذكرتُ ذلك لصديق قال لى “إنت بالظبط كده .. فى حزنكم مدعية .. وفى فرحكم منسية” إبتسمت ومضيت.
لا أذكر كم من المرات تردد على مسامعى كلمات تحمل إهانة أو إتهام منذ بداية هذا العام، سواء ما له علاقة بحياة عامة أو حياة شخصية، إهتز إيمانى وقدرتى على الحكم على أفكارى بشكل لم أعتده من قبل. لكني لم أبرح مكانى ومواقفى التى أخترتها عن وعى وأتحمل ألم الايمان بها يومًا بعد الأخر.
يقف البشر على فرعين من الإيمان؛ إيمان دينى وأخر عقلى أو بشرى. ففى الأول يذهب الناس إلى الإستناد إلى حكم شرع ودين متخذين منهما ركيزة أساسية يعودون وينطلقون منها فى كافة أفعالهم، وأخرين يعملون إلى فهم الطبيعة خارج سياق الدين. تأتى الاحداث الجسام الشخصى منها والعام لتضع الإيمان خاصة العقلى منه أو البشرى على حافة الإنهيار.
يبقى على المرء منا إما الصمود ومحاولة البناء مرة بعد الاخرى والسعى إلى تعظيم الشعور بالسكينة والامان بقرار وإصرار واضح يبقى ثابتًا أمام كل محاولات الشك التى تخترقنا بين الحين والاخر، وإما النزول لفخ العبث وحياة دون معنى يكرهها من يؤمنون بها حين يصبح كل ما فيها كطعام فقد طعمة وأصبح كله سواء حيث لا فرق بين جيد وسيئ.
يبدو وقت الفرح بعيدًا كطريق ممتلئ بضرورة تحمل مرَّ الجفا وشحذ الهمة منفردًا والوقوف جلدًا أمام هموم تحنى الظهور فى مقتبل العمر، ولكنى لا أجد أفضل من كلمات ” الامام الشافعى” لانهى بها هذا المقال
ومنْ لم يذق مر التعلمِ ساعةً .. تجرُّع ذُلَّ الجهل طولَ حياته


