بين المسئولية الفردية والمجتمعية
تساؤلات حول الفلسفة المحافظة
يقرر الافراد حيواتهم شكًلا ومضمونًا يتم ذلك حينًا بوعى وأحيانًا دونه، ولهذا يتحمل الخلق مسئولية أفعالهم السيئ منها والحسن، فى هذا الشأن ينقسم الناس قسمين، المهتمين بالشأن العام والبعيدين عنه، أما الاوائل فلديهم مسئوليتان خاصً وعام، والاخرين لديهم هَمُ واحد.
إختارالاوائل طوعًا المسئولية العامة، ولهذا يبدو منطقيًا إنطباق كلام صديقى عمرو البرجيسي، أن إختيارتهم تكون ما بين الشر المطلق والشر الادنى، وعليهم أن يختاروا الشر الادنى بل وأن يناضلوا ما أستطاعوا إليه سبيلا. ولهذا فمن يختاروا الشر الادنى بإدراٍك واع، فأنهم يمضون فى حيواتهم بذنوب ما أختاروه من شرور.
بدا لى تعليق عمرو منطقيا للوهلة الاولى، وخلال الايام التالية لقرأة المقال، دار بذهنى جملة فى رواية “الحب فى المنفى” لبهاء طاهر، تقول: قال يوسف بنبرته الحزينة: لا. غير صحيح. نحن قرأنا لكم وتعلمنا منكم ونحن صغار. ولكن لما وقعت الفأس فى الرأس وبحثنا عنكم لم نجدكم”.
يطفو هنا مبدأين لكل منهم منطقه ولا يعلوا أحدهم على الاخر إلا لحجه لا تبدو جليه، وهما المسئولية الفردية والمجتمعية.
فالفرد حين تكون مسئوليته فرديه ولا يتدخل فى الشأن العام ولا يدلى بدلوه فيها يبدو لى منطقيًا آنذاك أن يتحمل نتيجة إختياره الأقرب إلى الشر الادنى ويتحمل ذنبه الفردى، أما من تحملوا من البداية المسئولية المجتمعية فإن إخيتارتهم تتعدى الذنب الشخصى إلى ذنب مجتمعى وهو ما يكون بالضرورة بعيد عن المسئولية وأقرب لإنعدامها.
دعنى أعطيك مثالا يقرب الصورة الذهنية، فى الرواية كان هذا الشاب الذى قارب عمره الثلاثين “يوسف”، يعمل فى إحدى المقاهى ومتزوج من إمراة عجوز بعدما هاجر مصر فى ظروف صعبة، تكونت مداركه من خلال كُتاب وصحفيين، وحين أشتد بنيان القوى الاسلامية فى مصر مع مطلع السبعينات وفاقت قوتهم قوته ورفاقه، بحث عن من كتبوا الأفكار. لم يجدوهم فقد كانوا فى بلاد تبعد الاف الاميال ينظرون إليهم من خلال صور وصحف، تمضى حيواتهم هناك يبدو عليهم التأثر تارة وعدم الاهتمام تارة أخرى.
طبقا لتحليل الفلسفة المحافظة يبدو إختيار الكاتب فى الرواية الخروج من مصر هو الاقل شرًا، ولكنه لا ينم على أى مسئولية حتى بالرغم من دفاعه عن قضاياه وقضايا مواطنيه من بلاد يرى منها حياة المصريين مجرد خطوط على خرائط، فهو تحدث وملئ الدنيا شرقًا وغربًا بأفكاره وطالبَ الناس بتحمل المسئولية وبناء مستقبل لهم ولاجيال قادمة وحين كانت الافكار تحتاج من يحملها خرج الكاتب إلى مجتمعات يستمتع فيها بمجهود من سبقوه فى تحمل مسئولية بلادهم.
وأنطبق عليه قول أبو الأسود الدؤلى:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم
ويبقى السؤال هل تقدم المسئولية الفردية على المجتمعية، خاصة من إختاروا تحمل المسئولية المجتمعية.
“بين الشعور بالذنب والإحساس بالعجز”
خلف جدار العقلانية الصلد، وحدنا نتأرجح ”بين الشعور بالذنب والإحساس بالعجز“. وحدنا، لا نجد في فورة الغضب أو حسرة الفراق أو لامبالاة القدرية إجابة قاطعة على سؤال الساعة: وما العمل؟ حكرٌ على الآخرين – على اختلاف ألوانهم ومشاربهم – وضوح الرؤية وسكينة الضمير، أما نحن فمنبوذون مذنبون، ومعزولون عاجزون.
تعلمنا الدرس قاسيًا منذ أشهر: مصر تحترق، ونصف الكوب المملوء يضيع هباءًا إن ألقينا به في وجه اللهب. يموت أناسٌ، نعرفهم حينا ونجهلهم أحيانا، فلا نحرك ساكنا. يضيق الأثير بصخب المخرفين وتلون الأفاكين وعويل الثكالى، فنؤثر الصمت. واليوم، إذ تأكل النيران الأخضر واليابس، نسعى جاهدين للإفلات من قبضة العجز بحثا عن أي فعل يتخطى – ولو قليلا – محض العبث، فنرتد محسورين إلى قسوة الشعور بالذنب. بل ويجتاحنا خزي عارم إن أشار معلق إلى دقة تنبؤاتنا أو طلب إلينا أن نكتب مقالا كلما عصفت كارثة، وكأننا من جاء بها. يمزقنا المثل الدارج ”روما تحترق، و”نيرون“ على قيثاره يغني“.
لكن ثم حد فاصل – على هشاشته – بين الشعور بالذنب وإدانة الذات، وبين الإحساس بالعجز وفقدان الأمل. والوازع المصيري الذي يقينا اجتياز هذا الحد لا يتأتى إلا بإدراكنا لحقيقة الاختيار الأخلاقي، كونه اختيارًا بين شرّين أو أكثر، وليس بين شر مطلق وخير مطلق. لذا فالمرء، إن أراد الفكاك من فخ العدمية الأخلاقية، عليه دائمًا أن يختار الشر الأدنى، بل وأن يناضل في سبيل هذا الشر ما استطاع. هذا هو لبّ النزعة المحافظة: وجود الشر أصيل في العالم، وهو موازٍ للوجود البشري ذاته، وأقصى ما بإمكاننا تحجيمه وليس القضاء عليه. ومن ثم فإننا جميعا محكومون بأن نمضي في حيواتنا نحمل على ظهورنا ذنوب ما اخترنا من شرور، وآلام عجزنا عن تحقيق الخير بتمامه، أو حتى ما دون ذلك بقليل.
لذا، أعزائي، فإننا لسنا في محل ”نيرون“. لنحمل شعورنا بالذنب وإحساسنا بالعجز على كواهلنا ونمضي صابرين إلى أن تنطفئ النيران، ومصيرها أن تنطفئ، ولنتذكر أننا باقون على هذه الأرض – أو عائدون إليها – ولو أمست رمادًا.
الصمت
بين الشعور بالذنب والاحساس بالعجز وعدم الاهتمام وتأنيب الروح على عدم الاهتمام، والضحك والشعور بأن ما كان ما هو إلا شيئ صغير ودفع الروح إلى التحرك وعدم الشعور بالرغبة فى التحرك، والامبالاة والتفكير فى أشياء أخرى ومشاهدة الاخبار، ومحاولة التحليل والسعى إلى الفهم. وحالة من الدوران الذهنى وكأننى فى مركز الكون تدور بى الدنيا ولا أعلم متى ستتوقف، والمحاولات الجاهدة للإمساك بالأفكار وفقدانها، والأمساك بأى من الروايات حتى أدخل عالمًا جديدا أشاهد وأسعى فيه لفهم ما يدور حولى كطفل خرج من بيت والديه وعيناه متسعتان فى محاولة لإلتقاط ما يدور حوله وحفظه فى الذاكرة.
وإفلات الروايات والنزول إلى الشارع ناظرًا إلى وجوه البشر بصمتها وشرودها وإنشغالها وتفكرها وغضبها وحزنها وألمها وضحكها وخوفها، والصعود مرة أخرى والبحث عن موسيقى مناسبة والوقوف دون أن أدرى لما على أن اتحرك وإين سأتحرك وماذا سأفعل إن تحركت وأتحرك وأقف مرة أخرى، بين فتح التلفاز وعدم سماع الاصوات وسماعها، بين النوم الخفيف المتقطع الممتلئ بالاحلام والكوابيس.
بين نظرات “Plato”، كان السؤال الرئيسى كيف لا أشعر بالالم؟ وكيف يحتلنى الالم ولو حتى لفترة بشكل واضح ويصير جزء من التكوين اليومى لحلات ولأمور أخرى؟ كيف يأتى الآلم من قصيدة وفيلم وكتاب ولا يأتى من صور أضحت فى إدراكى مجرد أرقام تراها عينى من الحالات اليومية للعنف.
حينما علمت أنه كانت هناك عدد من المجموعات التى جابت الشوارع بعد سماع نداء التلفزيون المصرى بمطالبة “المواطنين الشرفاء” بالدفاع عن الجيش فى مناطق مختلفه للبحث عن مسيحين، ذكرنى ذلك بأحد الحكايات التى سردها لى صديق، حول أن جده شاهد أثناء حريق القاهرة أفراد يحرقون اليهود ويلقونهم من الشرفات ويسرقون منازلهم والمتاجر.
حين أستمعت إلى أحد الحكايات حول أن هناك عدد من المواطنين المسلمين قاموا بالعدو خلف أحد المسيحين فى شارع عبد الخالق ثروث وحاول هذا الشخص الاحتماء بنقابة الصحفيين وأدى ذلك إلى تهشيم زجاج النقابة، إنتابنى شعور بعدم الامان وسألت نفسى ماذا كنت سأفعل إن كنت فى الشارع وقتها؟.
بين فيديوهات ترى فيها الطائفية على أشدها، تشاهد مواطنين يبتهجون لموت أخرين، وأخرين لا يدركون حتى أن هناك من يملئهم الغضب والكره والضعف والرغبة فى الانتقام. وبين تحليل لاغلب النخبة فى تحديد ما تم على أنه صراع ما بين الجيش والمسيحين.
دوما ما يذكرنى حال مسيحي هذا الوطن بحال أسرة يهودية كانت فى فيلم “The Pianist” حين ألتفوا حول جهاز الراديو لسماع أن الحلفاء لن يتركوا بولندا وحيدة وأنهم سيتدخلوا لحمياتهم من النازى، سادهم الفرح ولم يدركوا أن الموج أصبح أشد من أن يوقف.
حتى كتابة هذه السطور لم أفهم ما حدث وكما تقول أحد أصدقائى أننى أحاول البحث عن المنطق فى أمر أبعد ما يكون عنه. غلف وجهى صمت ممثلًا للأمر المنطقى الوحيد.
بيان بشأن مشروع القانون الموحد لبناء دور العبادة
نشرت جريدة ”المصرى اليوم“ فى عدد الأربعاء الأول من يوليو 2011، خبرًا بعنوان ”المصرى اليوم تحصل على مسودة مشروع «قانون دور العبادة الموحد» قبل إصداره“، حيث أشارت الجريدة إلى ست مواد يبدو أنها ستكون العمود الفقري لهذا لقانون حال إصداره. وبالرغم من أننا في اتحاد الشباب الليبرالي المصرى نتبنى موقفًا رافضًا لفكرة القانون الموحد من الأصل، ولدينا طرح مختلف نعمل على نشره وسط كل المهتمين بالمشكلة القبطية، فقد رأينا أن من واجبنا الرد على هذه الاقتراحات توكيدًا على أن القانون المقترح لن يكون حلا لمعاناة الاقباط فى الحصول على تراخيص لبناء كنائسهم. وفيما يلى تفصيل الرد على المواد المقترحة:
أولا: تبدأ المشكلة فى المادة الثانية والتى تنص على أنه ”لا يجوز بناء أو الترخيص ببناء دار عبادة ضمن بناء قائم معد للغرض السكنى او الترخيص بتغيير استعمال بناء قائم ليكون كله او جزء منه داراً للعبادة“ وهنا نطرح سؤال على القائمين على إعداد القانون: ما هو مبرر تدخل الدولة في هذه الحالة لفرض قيد على ملكية خاصة؟ فالوضع الطبيعي أن يكون لمالك العقار الحق في تغيير طبيعته دون أن يستدعي ذلك إلا إخطار الجهات المختصة لتحويل نفقات العقار من كهرباء وضرائب وغيرها من نشاط إلى أخر (من سكنى الى تجارى على سبيل المثال)، وليس للدولة ان تفرض على مالك العقار كيف يستغله. فالدولة ليس لها إلا ضرائب يدفعها المواطنين وفى المقابل عليها ان تحمى ملكيتهم لا أن تحدد كيف يستفيدون منها.
ثانيا: تلزم المادة الثالثة المتقدم بطلب الترخيص بأن ”يرفق به بيان الأعمال المطلوب الترخيص بها وتكلفتها ومصادر تمويلها والرسومات الهندسية المتعلقة بها، والجهة المسؤولة عن إدارتها وصيانتها“. وحيث أن القانون المصرى، في نصوص قانوني العقوبات ومكافحة غسل الأموال، ينظم عمليات نقل الاموال وتلقى التبرعات بضمانات كافية ضد جرائم غسيل الاموال او تلقي التبرعات من جهات متورطة فى تمويل الإرهاب، فإن إلزام المتقدم بطلب ترخيص بناء عبادة ببيان مصادر التمويل لا يعني إلا المزيد من القيود والتعقيدات على بناء دور العبادة.
ثالثا: تنص المادة السادسة على أن ”يصدر القرار ببناء دور العبادة من وزير التنمية المحلية بعد أخذ رأى المحافظ المختص“ لترسخ مبدأ تدخل الدولة في ما ليس لها التدخل فيه، إضافة إلى إحالتها قرار البناء إلى السلطة التقديرية لوزير التنمية المحلية والمحافظ المختص بعبارة مطاطة تحتمل التأويل، بما يتيح النص على مزيد من القيود في اللائحة التنظيمية للقانون. كذلك فإن المادة ذاتها تنص على أن ”يعتبر انقضاء المدد المشار إليها فى المادة (5) من هذا القانون، دون صدور قرار مسبب برفض الطلب من الجهة الإدارية المختصة بمثابة موافقة عليه“ دون تفسير عبارة القرار المسبب بالنص على الأسباب التي يعتد بها للرفض، محيلة مرة أخرى إما للسلطة التقديرية للجهة الإدارية أو للائحة تنفيذية مقيدة. كذلك فإن المادة تنتهي إلى أنه في حالة الرفض يجب عرض القرار الإداري على رئيس الجمهورية لاتخاذ قرار نهائي في شأن الترخيص، وهو ما يحيل بدوره إلى السلطة التقديرية لرئيس الجمهورية دون بيان القواعد التي يتخذ قراره بناءًا عليها.
نهاية، فإن ما نود التأكيد عليه وما يتبناه إتحاد الشباب الليبرالي المصري أن الافراد لهم الحرية المطلقة فى التصرف فى ملكياتهم الخاصة العقارية والمنقولة وليس للدولة أن تتدخل لتحدد كيف للأفراد أن يستغلوا ملكياتهم، وإنما يقتصر دورها على حماية الملكية الخاصة مقابل الضرائب. ومن ثم فإننا نرفض مشروع القانون المقترح جملة على أساس أنه يقحم الدولة فيما ليس لها فيه شأن، وتفصيلا لأنه لا يقدم حلا لمسألة بناء الكنائس، فحتى وإن تم تطبيقه دون انحياز، فسيكون بمثابة قيدًا مفروضا على بناء المساجد لا إزاحة للقيود المفروضة على بناء الكنائس.
إنها الكارثة
بالأمس صباحا ً كتبت ورقة “عن المشكلة الطائفية فى مصر” وبالأمس أيضا ًمزقت تلك الورقة، لم أكن أتصور أن الاحداث قد تتسارع بهذا الشكل الهستيرى ضد الاقباط، كانت متوقعه ولكن ليس بمثل هذه السرعة.
فهذا الحلم الطوباوي الذى عزفه الإعلام المصرى ورقصت عليه النخبة، أن الثورة أطاحت بما هو قديم وجاءت بكل جديد، بينما واقع الامر أنها أطاحت بالمؤسسات لتأتي بالفوضى، أتذكر خلال حملات اقتحام مقرات أمن الدولة صديقا لي كان يهلل فرحا بأن أسطورة امن الدولة قد انهارت، وكان ردي أنها لم تنهر في مواجهة السياسين فقط بل والسلفيين أيضا ًوالمراقب لمايحدث الآن يجد أن جهازالشرطة عاجز حتى عن حماية نفسه.
بالأمس تم الهجوم على كنيستين فى منطقة امبابة وتم حرقهما،كانت ليلة عنف دموية خلفت ورائها 12قتيلا – والعدد فى تزايد – وما يربو على 100 جريح. ببطء شديد أتت عربات الشرطة لاحول لهاولاقوة. وبعد فوات الأوان جاء الجيش بعدما أتت النارعلى محتويات الكنيستين وقتل من قتل وأحرق من أحرق.
الهجوم بدأ بحصار كنيسة إثر إشاعة بأن هناك فتاة محتجزة بداخلها، أحرقت الكنيسة وقتل أقباط ومسلمون ولم تظهر الفتاة ولم يرها أحد من مرتكبي هذه الجريمة، لامن قبل ولامن بعد إلا أن الاخبار الآتية من امبابة، بعدما تحولت الى ثكنة عسكرية، تشير أن هناك ارتياح من مسلمي المنطقة تجاه ماحدث وأنهم لم يزالوا يظنون أن هناك بالفعل فتاة محتجزة، وأن ماحدث كان عين الصواب!
اليوم ظهرا ًنزلت لأتابع المظاهرة القبطية أمام دار القضاء العالى، ساعات قليلة وبدأ التحرك نحو ماسبيرو، كانت الأمور تسير بهدوء إلى أن حصل أشتباك بين مجموعة شباب مسيحيين ومجموعة أخرى من المسلمين، وفى لمح البصر تحول الأمر إلى هجوم من قبل مسلمي منطقة بولاق الذين ألقوا بوابل من الحجارة على المسيحيين الذين سرعان ماأخذو ا في الرد عليهم، كان المشهد بالنسبة لي مرعبا، فأن تسمع عن اشتباكات عنيفة غير أن ترى بأم عينك والدماء فى كل مكان، بل إن فكرة أنك معرض لهجوم عنيف لمجرد كونك مسيحيا تنطوي على مشاعر لا يمكن وصفها.
بعد حوالى ساعة من تراشق الحجارة وسقوط عدد لابأس به من الجرحى، تكتمل المظاهرة القبطية أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون. الغضب فى أعين كل المتواجدين هناك و الشعور بالاضطهاد تكاد تلمسه في الهواء، فهناك إحساس جماعي بأن المسلمين سيعاودون الهجوم مرة أخرى فى أى وقت. وبينما أنا هناك أدون ما أشهده، التقيت صديقة ألمانية تعمل صحفية وشرعنا فى الحديث حول ماجرى بالأمس و اليوم، فيما يقاطعنا بين الآونة والأخرى أحد المتظاهرين مطالبا إياي بأن أنقل إليها معاناة الأقباط لتنقلها هى بدورها الى العالم، ثم جاءتني امرأة عجوز وطالبت منى أن أترجم لها “نحن لا نثق فى أن الجيش يهتم لدماء الاقباط ولانثق أن العدالة ستطبق على من أحرقوا الكنيستين، ستنسى القصة كما نسيت مذبحة الكشح ولم يحاكم أحد”، ثم تابعت “نريد حماية دولية لأرواحنا وممتلكاتنا، نريد أن نشعر بالأمان، لانثق الآن فى أي أحد، ولا حتى فى جيراننا المسلمين”. أنهت السيدة حديثها بتأثر بالغ قائلة أنها من قرية الكشح التى حدثت فيها المذبحة المشار اليها وأنها شهدتها آنذاك.
تركت المكان وأنا أرى بلدي فى حالة يرثى لها، أراها قريبة من فوضى دموية في أجواء طائفية سقيمة، أفقدتنى الامل في أي فرصة للإصلاح فى هذا المناخ. من هجموا على الكنائس بأمس لم يكونوا سلفيين أو من تنظيم القاعدة أو فلول النظام كما ترغب النخبة فى تصوير الأمر: من اشتبكوا مع المتظاهرين الاقباط ظهر اليوم لم يأتوا من المريخ، بل هم مصريون مسلمون طبيعيون.
من ينكر أن هناك كراهية بين المسيحيين والمسلمين فى مصر، ومن يريد أن يصدق أننا نعيش فى فترة انتقالية بعدها سيحب المسلم جاره المسيحي والعكس، أولئك هم القادمون من المريخ – أو العائدون إليه.




