أكذوبة اليسار
فى الدفاع عن المستضعفين
أن تشعر أكثر بمعاناة البشر وتميل إلى الفقراء وتساعد المستضعفين وتقف ضد الطغاة المستغلين أصحاب النفوذ والمال، أن تدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وتضمن للعمال حقوقهم ضد من يستعبدونهم، أن تقف مع المرأة ضد إستغلال الرجال، أن تتخلص من طبقتك كى تذوب مع الطبقات الأقل وتتعامل معهم بإدراك واع أنه لا فروق بينك وبينهم وأنك أحدهم، أن تشعر بالنقمة على الملكية الخاصة، أن ترى فى مؤسسة الزواج والعائلة والعلاقات الانسانية سلطة تتحكم فى حياتك وحريتك الفردية ويجب زاوالها.
بهذه الخطوات يمكنك أن تكون يسارى، يملؤك الفخر والشجاعة ناظرًا إلى الاخرين على أنهم مجموعة جبناء لا يمكنهم الوقوف مثلك أمام تاريخ البشر الطويل من الإستغلال والجشع وأنهم يفتقرون لأبسط المشاعر البشرية وأن الانانية محور حياتهم.
إعتاد اليسار – على إختلافه – إحتكار صورة المدافع عن الناس عامة والمستضعفين خاصة، وأضحت اليسارية شرط وجوب لمن يريد الدفاع عن البشر وهو أمر راسخ كجبل بألباب أبناء جيلى إلا من رحم ربى، حتى أن أحدهم ذكرت لى ذات مرة “علشان الواحد يدافع عن الناس لازم يبقى يسارى”.
فى غرفة محكمة جنوب القاهرة أو “باب الخلق” كما إعتاد المحامون ذكرها، كان حديث دائر بين العديد من المحامين من مختلف العمر، يسار معظمهم، كانت المرة الاولى الذى أقدم فيها على عمل تطوعى بصفة محام – تم ذلك لإسباب عدة لا محل هاهنا لذكرها – كانت لدى لحية خفيفة، فأعتقد الغالبية العظمى من السادة المحامون أننى من الإخوان وتعامل معى اليسارين منهم على ذلك وذكر أحدهم موجهًا حديثه إلي “يا أستاذ الزملا برة بيسألوا عليك” فكان ردى “مين” فقال “محامين الاخوان” فكان ردى بإبتسامة “أنا مش إخوان”.
ساد الصمت لبرهة غرفة المحامون حين ذكرت ” أنا ليبرالي” تبادل الجميع النظر وتجنبنى الكثير، وعبر أحدهم عن كيف أكون ليبرالي وأتطوع فى شيئ كهذا فأنتم بعيدين عن هذه الافعال بعد المياة عن ظمأى نهار الصحراء.
ناهيك عما فى ذلك من مغالطات تاريخية وفكرية وواقعية لنتائج فلسفات الليبرالية على حياة الافراد بشكل عام والمستضعفين بشكل خاص، ونكران عن وعى أو دونه لتاريخ دموى تم ولازال تحت مسمى العدالة الذى يردد على أنه معطى غير قابل للنقاش، ويهدف يسارى وطنى إلى تحقيقه مرتأين فيه الوسيلة المثلى للدفاع عن المستضعفين.
يكمن الفرق بين الليبرالية الكلاسيكية واليسار على إختلافه فى أمور عدة، أهمها المسؤولية، فالاولى تفرض على الافراد مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين بشكل طوعى –إلا ما يدخل فى إطار عمل الدولة-، أما محور فلسفة اليسار هو التخلى عن كل المسؤولية للدولة، حيث أنها ستنظم المجتمع والافراد بشكل قسرى من خلال رؤية مسبقة، يبقى فيها على كل الافراد المستضعفين ودونهم أن يدخلوا فى هذا الاطار وليس لطموحهم الفردى مجال، حيث إنه إما يفسر على أنه أنانية أو رفاهية نحن فى غنى عنها، تنتهى حياة الافراد فى دول كهذه بتحول البشر إلى آلات لتحقيق أحلام منظمى الدولة وليس لاحلام المستضعفين أو دونهم مجال، ومعها يبدو جليًا الاكذوبة التى يحيا عليها اليسار من كونه مدافع عن المستضعفين.
*وأن تجنّبهم ما أستطعت مشقة السفر. جنبهم مشقة السفر
حديث الهجرة
بأحد المطاعم الصغيرة بوسط المدينة مع أثنين من منظمة أوربية، كان يوم من الايام الكثيرة التى أفقد فيها الرغبة فى الحديث – خاصة بلغة أخرى – ولكنه العمل.
مر بنا الحديث شرقًا وغربًا، وبدا من اللحظة الاولى فى أعين السيدة والرجل القادمين من بلاد غريبة عدم إرتياحهم حين أوضحت موقف المنظمة التى أعمل بها من الثورة.
لا أعلم ماذا قاد الحديث بيننا فى إتجاه الهجرة ولكننى ذكرت لهم موقفى – والذى لا أعلم تحديدًا متى وأين تكون – ولكنه أضحى شيئ من إيمانى الذى أسعى جاهدًا للتمسك به.
بعدها بأسابيع وسط مكتبات سور الازبكية وقعت عيناى على رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” كان الاسم عالق فى ذهنى من سنوات الجامعة حين سمعته خلال نقاش بين إثنين لا أذكرهم.
حين أمسكت بالرواية كانت متهالكه، فحدثت صاحب المكتبة أن عليه ألا يغالى فى الثمن حيث أن النسخة لا تكاد تتحمل إمساكى بها، فتبسم الرجل وجاء سريعا بعلبة صغيرة مخرجًا مادة لاصقة، وقال “أهو يا باشا الرواية دلوقتى زى الحجر”.
قبل الخروج من شقتى فى الطريق إلى دهب، كانت الرواية فى حقيبة كتفى منتظرًا الذهاب إلى شواطئ مدينتى المحببة والنوم فى دفئ شمس تحت سماء صافية وحياة بسيطة. حين خرجت من المياة وأمسكت بالراوية متلهفًا حتى أكمل ما بدأته جائتنى الجملة التى كتبها “مصطفى سعيد” فى خطابة أو بشكل أدق فى وصيته، “جنّبهم مشقة السفر” حين تحدث عن أبنائه. كانت هذه هى الجملة الوحيدة التى تكررت مرتين فى الرواية.
أعادت الجملة إلى ذهنى حديث منذ شهور مستمعًا فيه لحديث صديق لى وصديقه الصحفى، كان فى شرفة “المكتب” مع أواخر الشتاء.
قال صديقى: تفتكر إحنا هنكون المعارضة فى الخارج فى السنين اللى جاية.
كان رد الصحفى: إنت عارف إيه الفرق بين تشيلى وباكستان؟
نظرت انا وصديقى لبعضنا البعض ولا نعلم ماذ يقصد.
فرد الصحفى: الاتنين كان وضعهم الاقتصادى والسياسى زى الزفت، مكانوش يفرقوا عن بعض كتير، الناس المعارضين واللى ممكن يقدموا حاجة لمجتمعهم يا كانوا بيقتلوا يا كانوا بيعتقلوا. فى واحدة منهم هاجر أغلب إن مكنش كُل اللى فيها لبلاد تانية، كان فيها كل حاجة جاهزة، وفى التانية الناس ممشيتش.
كل واحد من اللى هاجروا عنده مليون سبب وكلهم مقنعين عن إنهم ليه مشيوا ومتقدرش تقول لولا واحد منهم أنت ليه مشيت، لكن فى النهاية بقى فى بلد تقريبا مفيهاش غير إرهاب والتانية بقى فيها مساحة للحياة.
أنهى حديثة بجملة قام بعدها كل منا حتى نتقابل على العشاء: أنتوا لو مشيتوا بجد مش عارف البلد دى هتروح على فين.
عدت بعيني إلى الرواية التى تحمل الكثير من المعانى – أو التى أحملها ما لا طاقة لها به – ومع جُملها العديدة التى يخترق كل منها عقلى ليصل إلى قاعه مرتطمًا بجدار رأسى، كان يتأكد إحساسى أن الهجرة لا شيئ إلا برد وفقدان للحياة فى أواسط يسكنها العدم وتناقض جلى وتحول بشر إلى الآت دون روح، وتعالى يقفز من أعين أوربيون يدركون أنهم إنما يخدعون أنفسهم حين يتحدثون عن المساواة وعدم التمييز، وبين محاولة فهم الخطأ والصواب إلى الانتهاء إلى إباحة كل شيئ بحيث يبقى الخير والشر فى كفوف متساوية.
بجملة فى نهايات الرواية كتب الطيب الصالح “وأحسست أننى أستسلم لقوى النهر الهدامة” تداعت الصور أمام عينى مع هذه الجملة ومثلت حالة من التعارك الفكرى بين العدمية ومحاولات بناء الحياة التى تتواجه مع أمواج وتيارات - تفرق بقوتها مساحة سنين ضوئية – تكاد تفتك بنا ولا ينقذنا إلا محاولات بناء نستند عليها وسط تيارات جارفة تقتلع معنى وطعم الحياة.
—————-
العنوان مقتبس من رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب: الطيب الصالح
معدومى الحظ
قرأة لوضع المرأة المصرية
خلال شهر يوليو الماضى أعتدت الخروج و “plato” فى جنح الليل، كنا نقطع كوبرى قصر النيل نقف قليلا حتى نتلمس نسيم الليل فى حر الصيف، ثم نمضى منه إلى حديقة خاوية أسفل كوبرى ٦ أكتوبر أجد فيها مكان بعيد عن كل ما يدور فى صخب العاصمة ويجد فيها “plato” مكان آمن للعلب، قليلا ما كنا نجلس فى نهاية الكوبرى لشرب حمص الشام مع رجل على مشارف نهاية العمر، أترك “plato” يلعب قليلا وينظر هنا وهناك محاولا إيجاد قط أو كلب أخر يلعب معه، ويبقى زهنى محاولا إيجاد إجابات للأسئلة التى أرهقته.
أثناء أحد الاسابيع كان هناك مجموعات من شباب المناطق الشعبية المجاورة، يصل عددهم للعشرات مع دراجات بخارية من مختلف الانواع كان يعج بهم كوبرى قصر النيل، الكوبرى مظلم لابعد الحدود لا أكاد أتعرف على أوجه المارة إلا من يقترب منهم ولا يخاف نباح “plato”. أو حين أتوقف للحديث مع أحدهم للتعرف على نوع الدراجة البخارية التى يمتلكها وكلام عام ينسى بمجرد المرور.
أحد ليالى هذا الاسبوع وأمام نادى أعتدت الذهاب إليه فى مقتبل العمر لتعلم السباحة، كانت هناك “لجنة شرطة” على مدخل الزمالك، ينفصل العالم بين حالة فوضى تعم كوبرى قصر النيل وحالة هدوء وشعور بالامان مع مدخل منطقة الزمالك.
بخطوات بطيئة أثناء مرورى بجانب لجنة الشرطة، طرأ تساؤل بذهنى، ماذا يمكن أن يحدث لى إن كنت إمراة فى هذا الليل؟ وكان الرد سريع: لا أعلم إلى إى مدى يمكن أن تسوء الامور، لكن فى أغلب وأفضل الأحوال لن أمر دون أن ينهشنى كل المارة سواء بالنظر أو الكلمات.
عاد هذا المشهد إلى ذهنى فى حديث مع صديقة مقربة، حين قالت لى “أنت مكنتش يوم ست ومش هتحس بكل الحاجات اللى احنا بنمر بيها كل يوم”.
بحديثنا سويًا أدركت أنه لا توجد لدى حلول لمشاكل المرأة فى المجتمع المصرى، ففى العادة وهكذا أفكر، إن المشكلات إما فى القانون أو خارجة، أو بمعنى أدق إما مشكلة مع الدولة أو بين الأفراد بعضهم البعض. ولكى يمكننا طرح حل لهذه المشكلات فعلينا أن يكون لدينا وسيلة نسطتيع بها أن نضغط على الدولة وعلى السياسين على السواء بمطالب واضحة، ووسيلة الضغط المثلى أن يكون هناك مجموعات متضررة من الوضع القائم ولديها مصلحة فى تعديله.
أما والنساء فى بلدى يُميز ضدهم بشكل ممنهج فى القانون وخارجه، وأن أغلبهم يرى أن ذلك طبيعى وأن الرجال لهم اليد العليا وعليهم أن يبقوا كذلك، بالاضافة إلى نخبة نسائية ترى انه يجب أن يكون هناك تمييز إيجابى للنساء لا مساواة، بالاضافة لكونهم بعيدين كل البعد عن الواقع كغيرهم من النخب -إلا من رحم ربى-، فلا مناص من بقاء الوضع كما هو، إن لم يكن سيسوء فى المستقبل.
لا أعلم ما هو المخرج من الوضع الحالى للنساء وكيف يمكن خلق كتلة وتيار ضغط يصعب تجنبهم يكون لديهم مطالب واضحة لها علاقة بالمساواة لا مطالب إقتصادية ويسارية مرتدية مطالب نسائية، وتضطر الدولة والسياسين إلى الرضوخ لمطالبهم لا أن تتم التعديلات بشكل فوقى ومع أول أختبار واقعى تنهار التعديلات الورقية.
إن وضع النساء يقترب كثيرا فى مخيلتى من وضع المسيحين الفقراء، ليس لديهم من يمثلهم فى مجتمع ممتلئ عن بكره أبيه بالطبقية والتمييز.
بين المسئولية الفردية والمجتمعية
تساؤلات حول الفلسفة المحافظة
يقرر الافراد حيواتهم شكًلا ومضمونًا يتم ذلك حينًا بوعى وأحيانًا دونه، ولهذا يتحمل الخلق مسئولية أفعالهم السيئ منها والحسن، فى هذا الشأن ينقسم الناس قسمين، المهتمين بالشأن العام والبعيدين عنه، أما الاوائل فلديهم مسئوليتان خاصً وعام، والاخرين لديهم هَمُ واحد.
إختارالاوائل طوعًا المسئولية العامة، ولهذا يبدو منطقيًا إنطباق كلام صديقى عمرو البرجيسي، أن إختيارتهم تكون ما بين الشر المطلق والشر الادنى، وعليهم أن يختاروا الشر الادنى بل وأن يناضلوا ما أستطاعوا إليه سبيلا. ولهذا فمن يختاروا الشر الادنى بإدراٍك واع، فأنهم يمضون فى حيواتهم بذنوب ما أختاروه من شرور.
بدا لى تعليق عمرو منطقيا للوهلة الاولى، وخلال الايام التالية لقرأة المقال، دار بذهنى جملة فى رواية “الحب فى المنفى” لبهاء طاهر، تقول: قال يوسف بنبرته الحزينة: لا. غير صحيح. نحن قرأنا لكم وتعلمنا منكم ونحن صغار. ولكن لما وقعت الفأس فى الرأس وبحثنا عنكم لم نجدكم”.
يطفو هنا مبدأين لكل منهم منطقه ولا يعلوا أحدهم على الاخر إلا لحجه لا تبدو جليه، وهما المسئولية الفردية والمجتمعية.
فالفرد حين تكون مسئوليته فرديه ولا يتدخل فى الشأن العام ولا يدلى بدلوه فيها يبدو لى منطقيًا آنذاك أن يتحمل نتيجة إختياره الأقرب إلى الشر الادنى ويتحمل ذنبه الفردى، أما من تحملوا من البداية المسئولية المجتمعية فإن إخيتارتهم تتعدى الذنب الشخصى إلى ذنب مجتمعى وهو ما يكون بالضرورة بعيد عن المسئولية وأقرب لإنعدامها.
دعنى أعطيك مثالا يقرب الصورة الذهنية، فى الرواية كان هذا الشاب الذى قارب عمره الثلاثين “يوسف”، يعمل فى إحدى المقاهى ومتزوج من إمراة عجوز بعدما هاجر مصر فى ظروف صعبة، تكونت مداركه من خلال كُتاب وصحفيين، وحين أشتد بنيان القوى الاسلامية فى مصر مع مطلع السبعينات وفاقت قوتهم قوته ورفاقه، بحث عن من كتبوا الأفكار. لم يجدوهم فقد كانوا فى بلاد تبعد الاف الاميال ينظرون إليهم من خلال صور وصحف، تمضى حيواتهم هناك يبدو عليهم التأثر تارة وعدم الاهتمام تارة أخرى.
طبقا لتحليل الفلسفة المحافظة يبدو إختيار الكاتب فى الرواية الخروج من مصر هو الاقل شرًا، ولكنه لا ينم على أى مسئولية حتى بالرغم من دفاعه عن قضاياه وقضايا مواطنيه من بلاد يرى منها حياة المصريين مجرد خطوط على خرائط، فهو تحدث وملئ الدنيا شرقًا وغربًا بأفكاره وطالبَ الناس بتحمل المسئولية وبناء مستقبل لهم ولاجيال قادمة وحين كانت الافكار تحتاج من يحملها خرج الكاتب إلى مجتمعات يستمتع فيها بمجهود من سبقوه فى تحمل مسئولية بلادهم.
وأنطبق عليه قول أبو الأسود الدؤلى:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التعليم
ويبقى السؤال هل تقدم المسئولية الفردية على المجتمعية، خاصة من إختاروا تحمل المسئولية المجتمعية.
“بين الشعور بالذنب والإحساس بالعجز”
خلف جدار العقلانية الصلد، وحدنا نتأرجح ”بين الشعور بالذنب والإحساس بالعجز“. وحدنا، لا نجد في فورة الغضب أو حسرة الفراق أو لامبالاة القدرية إجابة قاطعة على سؤال الساعة: وما العمل؟ حكرٌ على الآخرين – على اختلاف ألوانهم ومشاربهم – وضوح الرؤية وسكينة الضمير، أما نحن فمنبوذون مذنبون، ومعزولون عاجزون.
تعلمنا الدرس قاسيًا منذ أشهر: مصر تحترق، ونصف الكوب المملوء يضيع هباءًا إن ألقينا به في وجه اللهب. يموت أناسٌ، نعرفهم حينا ونجهلهم أحيانا، فلا نحرك ساكنا. يضيق الأثير بصخب المخرفين وتلون الأفاكين وعويل الثكالى، فنؤثر الصمت. واليوم، إذ تأكل النيران الأخضر واليابس، نسعى جاهدين للإفلات من قبضة العجز بحثا عن أي فعل يتخطى – ولو قليلا – محض العبث، فنرتد محسورين إلى قسوة الشعور بالذنب. بل ويجتاحنا خزي عارم إن أشار معلق إلى دقة تنبؤاتنا أو طلب إلينا أن نكتب مقالا كلما عصفت كارثة، وكأننا من جاء بها. يمزقنا المثل الدارج ”روما تحترق، و”نيرون“ على قيثاره يغني“.
لكن ثم حد فاصل – على هشاشته – بين الشعور بالذنب وإدانة الذات، وبين الإحساس بالعجز وفقدان الأمل. والوازع المصيري الذي يقينا اجتياز هذا الحد لا يتأتى إلا بإدراكنا لحقيقة الاختيار الأخلاقي، كونه اختيارًا بين شرّين أو أكثر، وليس بين شر مطلق وخير مطلق. لذا فالمرء، إن أراد الفكاك من فخ العدمية الأخلاقية، عليه دائمًا أن يختار الشر الأدنى، بل وأن يناضل في سبيل هذا الشر ما استطاع. هذا هو لبّ النزعة المحافظة: وجود الشر أصيل في العالم، وهو موازٍ للوجود البشري ذاته، وأقصى ما بإمكاننا تحجيمه وليس القضاء عليه. ومن ثم فإننا جميعا محكومون بأن نمضي في حيواتنا نحمل على ظهورنا ذنوب ما اخترنا من شرور، وآلام عجزنا عن تحقيق الخير بتمامه، أو حتى ما دون ذلك بقليل.
لذا، أعزائي، فإننا لسنا في محل ”نيرون“. لنحمل شعورنا بالذنب وإحساسنا بالعجز على كواهلنا ونمضي صابرين إلى أن تنطفئ النيران، ومصيرها أن تنطفئ، ولنتذكر أننا باقون على هذه الأرض – أو عائدون إليها – ولو أمست رمادًا.



