Skip to content

Posts from the ‘فلسفة – تاريخ’ Category

10
Dec

فى تحليل وفهم طبيعة النخبة الليبرالية المصرية (2)

الليبرالية الشكلانية

 

فى الحلقة الاولى من حلقات ثلاث، أحاول فيها عرض لحضراتكم  - قدر المستطاع – تحليل وتوصيف النخبة الليبرالية المصرية، وكبف أنها تتحمل المسؤولية الأولى عن تدهور وضع الحريات الفردية فى مصر نتيجة خطاب أقرب ما يكون إلى سطحية التحليل وإختزال النتائج والآمال فى صندوق إنتخاب.

حمل المقال السابق الشق الاول من تحليل النخبة الليبرالية المصرية والخاص بـ ” مدرسة الليبرالية الوطنية” وهى الاقدم بين نظيراتها من التيارات الليبرالية المصرية، والتى قدمها إلى النور النخبة المصرية فى بدايات القرن المنصرم؛ التحليل السابق والحالى مقتبس من ورقة بحثية لإتحاد الشباب الليبرالي المصرى فى تحليل للتاريخ المصرى الحديث تحت مسمى (المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية)

هذه الحلقة ستتناول الشق الخاص بالليبرالية الشكلانية؛ فقط للتوضيح كتب هذا التحليل خلال عام 2010.

ب – الليبرالية الشكلانية

الشكلانية وصف يطلق على الممارسات والأفكار التي تهتم بالشكل دون المضمون. لذا فإن ما نسميه بالليبرالية الشكلانية يتضمن مجموعة من الحركات السياسية والفكرية التي تستوحي أشكالا غربية تطبيقية لليبرالية، دون أن يكون لديها فهم واضح للأسس الفكرية التي بنيت حولها هذه الأشكال، ودون أن تسعى للتأصيل لها في السياق المصري. وتعود نشأة الليبرالية الشكلانية إلى المؤسسات والوثائق القانونية والاقتصادية التي استخدمتها دول المعسكر الغربي كوسائل للدعاية والضغط في صراعها ضد انتشار الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت بعد الانتصار الليبرالي في الحرب الباردة وفي إطار العولمة إلى ما يشبه دستورًا للعالم أجمع.

بسبب انحياز النخبة السياسية المصرية التاريخي ضد الغرب، والذي يعود إلى الخطاب الليبرالي الوطني كما أسلفنا، لم تظهر الليبرالية الشكلانية في مصر إلا بعد انتهاء الحرب الباردة، حين بدا أنه لم يبق ثمة بديل مقبول عالميا لليبرالية. فالانتصار الساحق لليبرالية الغربية أدى بالكثيرين إلى مراجعة مواقفهم، خاصة في ظل إغواء العولمة وخطاباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة كلية. تدريجيًا، تبلورت في مصر حركتين ليبراليتين شكلانيتين، الأولى، تنطلق من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمؤسسات القائمة عليها، والثانية من أفكار العولمة الاقتصادية والمؤسسات القائمة عليها.

يختزل خطاب الليبرالية الحقوقية الحرية إلى مجموعة من القواعد المجردة، ويغض النظر عن البناء الفكري والأصول التاريخية والمجتمعية لهذه القواعد. أما ليبراليو العولمة الاقتصادية، فهم ينطلقون من مبدأ أولوية الاقتصاد، فيرون أن الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، بغض النظر عن ثمنه السياسي والاجتماعي، سوف يؤدي في النهاية إلى التحول الليبرالي الكامل. وبالرغم من نجاح الليبراليين الحقوقيين في الضغط على النظام السلطوي عن طريق الآليات الدولية، ونجاح ليبراليو العولمة الاقتصادية في تحقيق مؤشرات اقتصادية جيدة بانخراطهم في العمل الحكومي، فإن كلا الخطابين عاجز تمام العجز عن مواجهة أي انتقاد عميق لليبرالية، أو حتى صياغة خطاب مقنع لعموم المصريين، وبالتالي تحقيق أي نجاح شعبي يذكر في ظل هيمنة الشموليين على المجال العام. كذلك فإن كلا التيارين يعتمد تمام الاعتماد على الظروف الدولية التي تتغير تبعا لتوازنات مصالح الدول الكبرى بين الأمن والاقتصاد وعقدة الذنب الكولونيالية.

7
Dec

فى تحليل وفهم طبيعة النخبة الليبرالية المصرية (1)

ثلاثة أجزاء من ورقة بحثية لاتحاد الشباب الليبرالي المصرى

 

خلال قرأتى لتعليق أحد أصدقائى فى إحدى الصحف الاجنبية بعدما كان السؤال: عن التيارات الليبرالية المصرية، قال إنه لا يمكنه أن يصف كل شيوعي ويساري مصر بأنهم ليبرالين، فمؤخرًا أضحى كل ما هو ليس إسلامى بالضرورة ليبرالي أو هكذا يتم توصيف الامر إعلاميًا.

ولما كان فى ذلك لغط عظيم، كان لابد من توضيح وتوصيف تيارات الليبرالية المصرية وكيف أنها ذاتها أبعد عن أفكار وفلسفات الليبرالية، لهذا ففى هذا المقال وما يتلوه من أجزاء ثلاثة سأقوم بعرض أجزاء من تحليل “إتحاد الشباب الليبرالي المصرى” للتاريخ المصرى الحديث فى إحدى أوراقة البحثية التى تحمل عنوان المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية .

قبل البداية، أود أن أعرض لحضارتكم موقف شخصى حدث لى مع صديقيى “صامويل تادرس و عمرو البرجيسى” وهم فى الوقت ذاته أعضاء مجلس إدارة فى “إتحاد الشباب الليبرالي المصري” منذ ما يقارب عامين.

قبل أربعة أعوام، فى حديث بيننا كان سؤالهم الاول، ما الليبرالية؟ كان الرد الذى تكون فى ذهنى آنذاك…

“الليبرالية مش حاجة جامدة .. وهى مش إيدولوجية .. وهى فكرة مرنة لتقبل أى شيئ .. وهى طبعًا أنك تعمل كل اللى انت عاوزة ما غير ما تتدخل فى حرية الاخرين .. وكان المثال الاشهر ببالى آنذاك حريتك تقف عند حريات الاخرين وبمعنى أخر حريتك تتوقف عند أنفى”

كان سؤالهم التالى: تعرف إيه هى الرأسمالية؟

جاء ردى: الرأسمالية هى السوق الحر، وهى أحسن من الاشتراكية وكمان أحسن من الشيوعية، وهى أحسن علشان مبيكونش فى بيرقراطية.

وأضفت ايضًا: كمان حقوق الانسان، الليبرالية بتدافع عن حقوق الانسان، وعن حرية الرأى والتعبير والحرية الدينية والمساواة وكمان أنه الدين ميدخلش فى السياسية … وأن الدين لله والوطن للجميع .. وكمان شوف الغرب متقدم علشان هو ليبرالي .. وكمان الليبرالية هى العلمانية أو يعنى الاتنين حاجة قريبة من بعض.

إنتهى..

بعد هذا الاجتماع تبين لى أن ما أقول أنى مؤمن به لا أعلم عنه شيئًا فكان واضحًا أن تعريفى لنفسى وأفكارى هو تعريف سلبى، بمعنى أنى أدرك ما لا أريدة ولكنى لا أدرك ما أريده.

منذ ذلك اليوم وأنا فى عمل دائم لفهم طبيعة الليبرالية، وأنا على يقين أن محاولات الفهم لن تنتهى وهو بناء لا يتوقف.

بين فترة واخرى يأتى أفراد يرغبون فى الانضمام إلى الاتحاد، وحين أسمعهم أدرك حجم المأساة التى تتسبب فيها النخبة الليبرالية المصرية فى تحديدها لطبيعة ومفهوم الليبرالية.

وفيما يلى سأعرض لحضراتكم الشق الاول وهو جزء من القراة التاريخية لتيار الليبرالية الوطنية والمقتبس من ورقة بحثية خاصة بإتحاد الشباب الليبرالي المصرى، تحت إسم (المسألة المصرية وأصولها … رؤية ليبرالية كلاسيكية)

أولا: الليبرالية الوطنية – القومية 

لم ينشأ مفهوم الأمة المصرية بدوره بشكل طبيعي، بوصفه نتاجا لنمو الشعور القومي كما جرى في أوروبا أعقاب الحروب النابوليونية مثلا، وإنما جاء اختراعًا بورجوازيًا خالصًا. فأولا، طرح الليبراليون الوطنيون فكرة سيادة الأمة في مواجهة غير المصريين، وبالتالي طرحوا أنفسهم كممثلي الأمة في مواجهة الانجليز، في الوقت الذي كان فيه معظم المصريين لا يلقون بالا للانجليز أو لا يعرفون بوجودهم من الأصل، وفي ظل فصام منهجي في علاقة الليبرالية الوطنية بالغرب، الذي هو الأستاذ والنموذج الليبرالي الحداثي من جهة، والعدو الذي يجب التخلص منه من جهة أخرى. وثانيا، طرحوا فكرة سيادة الأمة في مواجهة الحكومة، وهو مفهوم قريب من مبدأ السيادة الشعبية المختلف عليه في الطرح الليبرالي الكلاسيكي، وإن اختلف عنه في أن الأمة المصرية، كما يطرحها الخطاب الليبرالي الوطني، لا تتشكل من مجموع المصريين، الذين كان معظمهم من الفلاحين الأميين في فترة نشأة المفهوم، لذا فهم – في نظر البورجوازيين – عاجزون عن تقرير مصالحهم بأنفسهم، وبالتالي فالليبراليون الوطنيون وحدهم هم القادرون على تقرير مصلحة الأمة والاضطلاع بمهام الحكم. ومن ثم فثالثا، قدم الليبراليون الوطنيون مفهوم الوحدة الوطنية الذي يقسم الأمة إلى عناصر (أديان – طبقات) تتحالف معًا لتحقيق مصلحة واحدة غير متمايزة وغير محددة، الأمر الذي يضمن الشعبية الجارفة للتيار الليبرالي الوطني بين الأفراد المكونين لهذه العناصر عن طريق ضمان تأييد قادتها، ودون الحاجة لتوجيه خطاب سياسي خلافي يحقق مصالح بعض الأفراد في مواجهة البعض الآخر.

بالرغم من الثمار التي جنتها البورجوازية المصرية في ظل النجاح الاقتصادي الساحق والانفتاح السياسي المحدود تحت حكم كرومر، اجتمعت العجرفة الانجليزية المفرطة وفشل خلفاء كرومر في الاستمرار على نفس النهج ثم ظروف الحرب العالمية الأولى لتجعل من التيار المتحالف مع الانجليز تيارًا هامشيًا. أما تيار الخلافة الإسلامية، فقد انزوى تدريجيا بعد وفاة مصطفى كامل ثم انهار تمامًا بسقوط الخلافة وتفكك الدولة العثمانية بعد الحرب. لم يبق إلا تيار الاستقلال التام، الذي نجح في استغلال ظروف ما بعد الحرب لتحقيق شعبية جارفة، ليصل بعد ثورة 1919 وسلسلة من الصراعات والمفاوضات مع الانجليز إلى تحقيق استقلال مصر (مع تحفظات انجليزية شهيرة)، ثم – وبعد خلافات عدة بين الليبراليين الوطنيين – إلى صياغة دستور ليبرالي عرف بدستور 1923، والذي استهل فترة من الحكم النيابي عرفت فيما بعد بالحقبة الليبرالية، والتي، بالرغم من العديد من الانقطاعات والتدخلات من جانب القصر أو الانجليز، استمرت بنجاح حتى يوليو 1952.

بالرغم من النجاح النسبي الذي حققه التيار الليبرالي الوطني، خاصة فيما يتعلق بسؤال الاحتلال الانجليزي الذي انتهى تقريبا بتوقيع المعاهدة المصرية الإنجليزية عام 1936، لم يتحرك الخطاب الليبرالي الوطني قيد أنملة، بين الفصام في علاقته بالغرب والإصرار على فكرة المصلحة الواحدة للأمة التي يحتكر الليبراليون الوطنيون معرفتها وتحقيقها. وفي ظل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مصر في أنجح مراحل تحولها إلى الحداثة، ظهرت بورجوازية جديدة درج المؤخون على تسميتها بالأفندية الجدد. جاءت نشأة الأفندية الجدد، على العكس من أسلافهم، بمعزل تام عن التأثير الغربي، ومن ثم – وفي ظل الخطاب السائد – تحولت علاقتهم بالليبرالية من علاقة فصامية إلى عداء صرف، ليشكلوا نواة المشروع الشمولي المصري ويحملوا لواءه حتى انتصاره الدامغ في 1952، في ظل رضوخ ليبرالي تام للخطاب الشمولي الجديد، بحثا عن شعبية 1919 الجارفة دون جدوى.

اختفت الليبرالية الوطنية تحت وطأة القمع الناصري إلى أن فتح السادات الباب لعودتها بتوجهه الاقتصادي الانفتاحي، وابتعاده عن الاتحاد السوفييتي، وسماحه بالتنظيمات الحزبية وبمساحة من الحرية الصحفية والأكاديمية. عادت الليبرالية الوطنية لتحقق نجاحا لا بأس به على المستويين النخبوي (الصحافة، التأريخ) والشعبي (حزب الوفد الجديد)، لكنها أصرت على اجترار خطابها التقليدي، وأمام عجزها التام عن مراجعة هذا الخطاب وتقديم تفسير مقبول لفشلها الذريع وتحمل مسئوليتها التاريخية، أضافت حجة جديدة إلى خطابها فحواها أن ما جرى في مصر منذ 1952 هو “تدهور غير مفسر” على كافة المستويات، الأمر الذي انتهى بها إلى الفشل الجماهيري مرة أخرى. فأولا، لا ترى الأغلبية الكاسحة من المصريين التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جاء بها نظام يوليو تدهورًا، خاصة في ظل إحالات الليبراليين الوطنيين إلى ماض مفعم بالتنوع الديني والعرقي والمدنية والثقافة في وقت كان جل المصريين فيه لا يعرفون القراءة والكتابة ويعيشون في قراهم في فقر مدقع دون أن يخرجوا منها ولو مرة في حياتهم. وثانيًا، حتى إذا أراد الليبراليون الوطنيون افتراض التدهور، فإن هذا لن يكون ممكنا إلا بالاضطلاع بمسئوليتهم التاريخية بوصفهم السبب الرئيسي في نشأة المشروع الشمولي المصري، بما يترتب على ذلك من مراجعة الأساس الفكري لخطابهم السياسي، وبما يتضمن إعادة النظر في فهمهم للعلاقة مع الغرب وإسقاط المفاهيم الفصامية من نوعية “استقلال الإرادة الوطنية” أو “الرأسمالية الوطنية”، ثم، وهو الأهم، التأسيس لخطاب سياسي يعترف بتنوع مصالح المصريين وتعدد خلفياتهم، مع شطب مفهوم الأمة الواحدة أحادية المصلحة من معاجمهم إلى الأبد.

6
Dec

أكذوبة اليسار

فى الدفاع عن المستضعفين

أن تشعر أكثر بمعاناة البشر وتميل إلى الفقراء وتساعد المستضعفين وتقف ضد الطغاة المستغلين أصحاب النفوذ والمال، أن تدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وتضمن للعمال حقوقهم ضد من يستعبدونهم، أن تقف مع المرأة ضد إستغلال الرجال، أن تتخلص من طبقتك كى تذوب مع الطبقات الأقل وتتعامل معهم بإدراك واع أنه لا فروق بينك وبينهم وأنك أحدهم، أن تشعر بالنقمة على الملكية الخاصة، أن ترى فى مؤسسة الزواج والعائلة والعلاقات الانسانية سلطة تتحكم فى حياتك وحريتك الفردية ويجب زاوالها.

بهذه الخطوات يمكنك أن تكون يسارى، يملؤك الفخر والشجاعة ناظرًا إلى الاخرين على أنهم مجموعة جبناء لا يمكنهم الوقوف مثلك أمام تاريخ البشر الطويل من الإستغلال والجشع وأنهم يفتقرون لأبسط المشاعر البشرية وأن الانانية محور حياتهم.

إعتاد اليسار – على إختلافه – إحتكار صورة المدافع عن الناس عامة والمستضعفين خاصة، وأضحت اليسارية شرط وجوب لمن يريد الدفاع عن البشر وهو أمر راسخ كجبل بألباب أبناء جيلى إلا من رحم ربى، حتى أن أحدهم ذكرت لى ذات مرة “علشان الواحد يدافع عن الناس لازم يبقى يسارى”.

فى غرفة محكمة جنوب القاهرة أو “باب الخلق” كما إعتاد المحامون ذكرها، كان حديث دائر بين العديد من المحامين من مختلف العمر، يسار معظمهم، كانت المرة الاولى الذى أقدم فيها على عمل تطوعى بصفة محام – تم ذلك لإسباب عدة لا محل هاهنا لذكرها – كانت لدى لحية خفيفة، فأعتقد الغالبية العظمى من السادة المحامون أننى من الإخوان وتعامل معى اليسارين منهم على ذلك وذكر أحدهم موجهًا حديثه إلي “يا أستاذ الزملا برة بيسألوا عليك” فكان ردى “مين” فقال “محامين الاخوان” فكان ردى بإبتسامة “أنا مش إخوان”.

ساد الصمت لبرهة غرفة المحامون حين ذكرت ” أنا ليبرالي” تبادل الجميع النظر وتجنبنى الكثير، وعبر أحدهم عن كيف أكون ليبرالي وأتطوع فى شيئ كهذا فأنتم بعيدين عن هذه الافعال بعد المياة عن ظمأى نهار الصحراء.

ناهيك عما فى ذلك من مغالطات تاريخية وفكرية وواقعية لنتائج فلسفات الليبرالية على حياة الافراد بشكل عام والمستضعفين بشكل خاص، ونكران عن وعى أو دونه لتاريخ دموى تم ولازال تحت مسمى العدالة الذى يردد على أنه معطى غير قابل للنقاش، ويهدف يسارى وطنى إلى تحقيقه مرتأين فيه الوسيلة المثلى للدفاع عن المستضعفين.

يكمن الفرق بين الليبرالية الكلاسيكية واليسار على إختلافه فى أمور عدة، أهمها المسؤولية، فالاولى تفرض على الافراد مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين بشكل طوعى –إلا ما يدخل فى إطار عمل الدولة-، أما محور فلسفة اليسار هو التخلى عن كل المسؤولية للدولة، حيث أنها ستنظم المجتمع والافراد بشكل قسرى من خلال رؤية مسبقة، يبقى فيها على كل الافراد المستضعفين ودونهم أن يدخلوا فى هذا الاطار وليس لطموحهم الفردى مجال، حيث إنه إما يفسر على أنه أنانية أو رفاهية نحن فى غنى عنها، تنتهى حياة الافراد فى دول كهذه بتحول البشر إلى آلات لتحقيق أحلام منظمى الدولة وليس لاحلام المستضعفين أو دونهم مجال، ومعها يبدو جليًا الاكذوبة التى يحيا عليها اليسار من كونه مدافع عن المستضعفين.

21
Nov

بين الواجب الأخلاقى والإيمان الفكرى

تساؤلات حول الفلسفة المحافظة

المشهد كالتالى: شباب بالالف يزداد عددهم أو ينقُص تبعًا لظروف الليل والنهار، قوات أمن تطوق وزارة الداخلية قليلًا ما تقتحم الميدان، أعداد بالمئات تتظاهر فى الشوارع المؤدية إلى الوزارة، تراشق بين الشرطة والمواطنين، الشرطة مسلحة بالطوب والعصى وقنابل الغاز وبنادق الخرطوش، المواطنون مسلحون بالطوب والعصى وزجاجات المولوتوف، يساند الشرطة عدد من مواطني المناطق المجاورة “عابدين” بشكل أساسى يتم ذلك حينًا بطلب ودفع من الشرطة وحينًا بتطوع تلقائى.

أثناء النهار تبقى ميزة نسبية وهو إدراك التحركات، أما أثناء الليل فلا يمكن التعرف على أى شيئ، الشوارع مظلمة، نيران صغيرة فى أطراف الشوراع وقليلًا فى وسطه، أصوات لا تعلم إن كانت أتيه من اليمين أو اليسار لطلق وقنابل، تبقى فرص النجاة فى الليل أقرب إلى الإنعدام.

خلال أيام ثلاثة هى مدة الإعتصام القائم فى التحرير حتى اللحظة، زادت لدى مساحة المخزون البصرى – سواء ما رأيته بعينى أو من خلال فيديوهات على الانترنت – ممن غطتهم دمائهم وأختنقوا جراء غاز كثيف أو حتى من هم على نهايات الحياة مستقبلين الموت تارة دون القدرة على تفاديه وتارة أخرى بصدر مفتوح.

فى الواحدة من الليلة الماضية لم أستطع البقاء داخل المنزل مع سماع أصوات بشرية بين التهليل والعويل وأصوات طلقات يحمل دويها زيادة فى معاناة أفراد وعائلات.

خرجت وبحديثى مع أحد الاصدقاء الموجودين فى الميدان للاطمئنان ذكرت لى أن كثيرين قد أصيبوا وكثيرين أيضا أحتجزوا من قبل الشرطة للعرض على النيابة، كل هذه المواقف تضع إيمانى بالكامل على المحك، فأفكارى وكل ما أعتقد فيه تُبقى الصورة واضحة فى ذهنى: فنتيجة هذه التظاهرات إما النجاح أو الفشل، وفى الحالتين لن تكون الاوضاع أفضل مما هى عليه أو حتى أفضل مما كانت عليه.

وهنا يعلو التنازع الداخلى بين الواجب الأخلاقى والإيمان الفكرى، لا أعلم أيهم يعلو على الاخر؟ ولماذا؟

حين تعلو قيمة الواجب الاخلاقى أقوم فقط بما أستطيع أن أقوم به من مساعدة قانونية أو طبيه أدرك أنها أقل ما يمكن تقديمه، ويبقى المخزون البصرى ضاغطًا مكونًا حالة شعور بالذنب، فى الجانب الاخر يطغى الايمان الفكرى ممثلًا حائط بين الشعور بالذنب وشعور بذنب أكبر حال مشاركتى فى أمر أدرك أن نهايته لن تكون بحال من الاحوال أفضل مما كانت عليه.

فى بدايات أحداث الثورة المصرية ذكر لى صديق فى وصف من تغلبهم عقولهم قصة قديمة، قال فيها “حين يذبح شخص بالخارج يقوم الشخص الطبيعى بالخروج للدفاع عنه ولا يفكر للحظة إن كان سيلقى حتفه أثناء قيامة بذلك، ويبقى الفيلسوف مفكرًا لماذا يقوم فرد بذبح أخر؟ ولماذا يقوم البشر بالدفاع عن أشخاص ليس بينهم أى صله؟ وكيف يمكننا أن نوقف ذلك؟”

حينها كنت غاضبًا من فكرة هذا الفيلسوف رغم إحترامى لها، وكنت ولازلت أميل إلى الفرد الطبيعى، وبالرغم من ميلى إلى هذا الاختيار إلا أنى لا أقوم به. ليس بدافع الخوف وإنما لوجود حاجز ضخم لا أود تخطيه، لا أعلم كيف تفسر الفلسفة المحافظة هذه المواقف.

15
Nov

رحلة البحث عن المعنى

حديث النسبوية والفلسفة المحافظة

فى ليلة من تلك الليالى الكثيرة التى يغالبه فيها عقله، بدا وكأنه من عالم رجعى، محمل بغبار الزمن كمكتبة قديمة ممتلئه بصفحات صفراء لكتب عنوانيها بخط اليد لم تلحق بنور تقدم صناعى، يخرج منه رائحة لا يستطيع معها المارة إلا أن ينظروا إليه بغرابة وتساؤل شديدين، من أين أنت وكيف تتمسك بمبادئ؟ وقد ولى زمنها وأدرك البشر أن كل شيئ يبقى مجرد وجهات نظر.

النسبوية، كانت ولا زالت مرض عضال ينخر عظام الحياة ويبقيها عاجزة عن الثبات، أذكر جيدًا جملة “دى وجهك نظرك على فكرة” كنت دومًا ما أسمعها فى حديث شباب كلية “الاقتصاد والعلوم السياسية” وكأنها جزء من مقرر على جميع من فى الكلية ترديده، كان يتنابنى ضيق من الجملة برغم تكرارى لها آنذاك.

مر أمام السينما ووجد نفسة داخل أحد القاعات مشاهدًا فيلم من الافلام ذات الاقبال الضعيف، بدايته، رجل يائس من الحياة مصدوم فى كل شيئ لمعرفته أن إمراته – الذى ظل لها مخلصًا ومحبًا لأعوام لم تفارق خياله – أقامت علاقة جنسية مع أحد زملائها بالعمل.

فكل شيئ نسبي. الخيانة والكذب، السرقة والقتل، الخير والشر، الخطأ والصواب، الحب والكره، كلهم متساوون كلهم مجرد وجهات نظر، فيمكن أن تكون صديقًا أو لا فالاثنين لا يختلفون كثيرًا فالصداقة شيئ نسبي، هكذا تتكون أغلب خلدان أبناء جلدتى، أو هكذا يزعمون.

أثناء الخروج من الفيلم الذى أنتهى كعادته نهاية سعيدة، يخرج معها المشاهدين مرتاحين السرائر، قادته قدماه إلى مكان يخفت فيه الضوضاء والضوء، وبحاجبيه القاطبين كالعادة محدثًا نفسه، كيف يمكن لمرء أن يرى فى الاغتصاب أمر نسبي؟

جاءت الحداثة وأدرك معها الانسان أنه يستطيع تقرير مصيره بيده، وجاءت الفلسفة محاولة تفسير العالم وطرح إجابات لأسئلة لا يهنأ معها البشر حال بقاء سطور الاجابة بيضاء. وفى محاولة الاجابة يفترق الناس فريقين: فريق يرى أنه لا توجد إجابات، وليس هناك شيئ حقيقى وإنما هى أوهام يخلقها البشر لعدم قدرتهم على العيش دون قيد. وفريق ثان ينطلق من عدم إدراك المعنى وإدراك وجوده، وفى رحلة البحث الطويلة عنه يتلمس الطريق إلى الصواب مبتعدًا عن الخطأ قدر إستطاعته وهؤلاء قلة. هكذا كتب فى مفكرته.

أثناء التحرك للمنزل محاولا الإمساك بخيط أى من الاغنيات التى ترافقه خلال ليال كهذه لا يغلب فيها الجسد العقل، وبقوة خائرة وإحساس أن هناك عائق إنما يسد رأسه ويُبقى جفنيه مفتوحتين، أدرك أن الايمان ليس عقلى وأن الانطلاق من وجود حقيقة من عدمه ما هو إلا إيمان ليس للعقل علاقة به وإنما هو شعور ليس منطقى ولا يمكن له أن يقاس أو يبرر عقليًا وهو أمر من إثنين إما أن تؤمن به أو لا.

وكعادة الحديث الداخلى، كان هناك رد، ولكن كيف تؤمن بالفردية ولا ترى أن البشر مختلفين؟ فمنهم من يعيش دون حقيقة وهذا مريح له، ومنهم يعيش باحثا عنها وذاك أيضا مريح له، وبهذا تكون كلمه كلية “الاقتصاد والعلوم السياسية” صحيحة فهى وجهات نظر يا سيدى لا أكثر.

لا أعلم كيف لا أؤمن بإختلاف البشر فى هذا الشأن بالرغم من إيمانى بالفردية، ولكنه فقط شعور قد يبدو رومانسيًا وقد يكون له تفسير فلسفى لا أعلم ولكنى لا أتخيل إنسان دون حقيقة وأمل فى قيمة تقترب من الصواب وتبتعد عن الخطأ.