فى فهم سياسات الدعم
قضية دعم الطاقة
كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف صباحًا، كنت نائمًا كالعادة، وجاء صوت صراخ قاطعًا هدوء الصباح، فما كان منى إلا أن هرعت نحو الشرفة بدقات قلب سريعة وعينين مفتوحتين، محاولا التعرف عما يدور بالشارع، رأيت رجلين ممسكًا كل منهم بالاخر وفى حالة عراك، أحدهم كان يغطى وجهه الدماء، صراخ النساء وسباب الرجال كان يتعالى، تأسفت لحالهم ولم أستطع أن أفعل المزيد. دخلت مرة أخرى لغرفتى محاولا الامساك بطرف النوم ولكنه كعادة هذه الايام يهرب دون عوده.
بعدها بساعات سألت أختى لماذا كان هذا العراك، كان ردها لى “ده كان علشان طابور العيش”. تختلف المواقف كلية حين تقرأ عنها فى الصحف وحين تحياها، فحين تحياها تتعدى كونها مجرد كلمات وسطور فى جريدة وإنما تبقى عالقة فى الذاكرة بصورتها كما هى لا تتحرك.(كان هذا الموقف فى صيف عام 2009) عاد هذا المشهد إلى ذهنى مع الاخبار العديدة التى يتم نقلها حول معارك تتم للحصول على أنبايب البوتاجاز أو صور للسيارات المتوقفة بالساعات أمام محطات الوقود.
يبدو منطقيًا لمن هم فى مثل حالتى الانضمام المباشر لصفوف المطالبين بسياسات زيادة الدعم ولوم الدولة على عدم توفيرها لخبز كاف، وأن دماء الرجل التى أسيلت أو ربما حياته التى كانت قرب قوسين أو أدنى من الانتهاء تمت بسبب تقاعس الدولة عن عدم توفير ما يلزم من حياة كريمة للمواطنين، وأن أرى فى أطروحات الاقتصاد الموجه الذى تقدمها النخب المصرية – على إختلافها – مخرج للحفاظ على حياة القطاعات الافقر فى المجتمع.
بينما يبدو إختيار الايمان بأفكار الرأسمالية بعيد تماما عما عايشته، خاصة فى ظل خطاب عام يرحب بتدخل الدولة فى كافة نواحى الحياة، وتجذر السخط على أفكار السوق الحر فى ظل غموض يكتنفها وسوء تفسير يُقدم لها، والذى يتمثل أفضلها فى “التيار الليبرالي المصرى” الذى يرى أن الرأسمالية نوعين، أحدهما حميد وهى الرأسمالية الوطنية والاخر خبيث وهى الرأسمالية الغربية.
ولما كان ذلك غريب للمقربين منى، فكانت الازمة الحالية للطاقة فرصة طيبة للحديث حول كيف أننى أجد فى الرأسمالية حل منطقى لمشاكل الفقر وخروج من سيطرة السياسين على حياة الافراد وإعطاء الافراد أكبر مساحة من الحرية الفردية.
لنقل أن الرجلين المتعاركين هما ” أحمد السباك” والاخر “محمود الجناينى”. أحمد يتقاضى أجره باليومية ولا ينتظم فيه نتيجه طبيعته وإيضا لحالة المعمار التى تتحرك ببطئ مما أثر على دخله بشكل سلبى، أما محمود فبحكم عمله لا يوجد لديه يومية وإنما حسب العمل المطلوب منه ومؤخرًا تقلص حجم المتعاملين معه بعد إقتناع عدد منهم أن الاستهلاك شيئ معيب ويجب التخلص منه، وأن على الناس الاستهلاك فى أضيق الحدود وفى الامور الرئيسية للحياة وبالطبع لم يكن التشجير شيئ منها. دفعتهم حالة كل منهم إلى هذا العراك.
المطالبين بزيادة الدعم، يتلخص موقفهم فى أن على الدولة توفير دعم أكبر لما تحتاجه هذه الطبقة، وفى هذا الطريق على الدولة أن تحصل مبالغ أكبر من الاغنياء لصالح هذه القضايا. يبدو ذلك غاية فى العدل، ولا ضرر منه على الاطلاق، ولكن فى الواقع هناك من المشاكل التى تسببها سياسات الدعم ما ينتهى بها إلى أضرار للفئات المستفيدة ودونها من فئات أخرى.
فى حالة الدعم، ولان الدولة لا يمكنها أن توفر النقود المطلوبة للدعم إلا من خلال المواطنين، فذلك يعنى بالضرورة أن عليها فرض ضرائب اعلى، مما يعنى أمر من إثنين إما زيادة فى نسبة البطالة أو زيادة فى الاسعار وفى الحالتين سيكون أكبر المتضررين هم القطاعات الافقر، ولكن الحديث عن نسب الضرائب العليا حديث غير.
رجوعًا إلى توضيح الضرر من سياسات الدعم، حين تقوم الدولة بدعم منتج ما، فهذا يعنى التدخل فى أليه تسعيره، مما يعنى ذلك ثلاثة أمور:
أولا: زيادة فى نسبة إستهلاك الموراد الطبيعية، ففى حالة أحمد ومحمود السابق ذكرهما، فإذا كان سعر الخبز هو جنيه واحد طبقًا لسعر السوق، وقامت الدولة بدعمه ليبقى خمسون قرشًا، سيزيد ذلك من نسبة إستهلاكه من قطاعات أكبر لرخص ثمنه، أو لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو لبيع الدقيق فى السوق السوداء لان أصحاب المخابز سيحصلون على فائدة أكبر أو إذا كان المخبز حكومى سيستفيد القائم على إدراته بدخل مادى أكبر، وهذا كله سيعنى بالضرورة إلى إستهلاك وإهدار الموارد الطبيعية. وعدم توافر الخبز إلى الفئات المستهدفة.
ثانيا: التأثير على الصناعات المرتبطة، فى حالة ذهاب عدد من صغار التجار إلى إستبدال علف الحيوانات بالخبز، نتيجة رخص ثمنه عن العلف، سيؤدى هذا بتجار العلف إلى رفع الاسعار لتعويض الخسائر من الاستهلاك القليل، مما سيجعل تكلفة تربية الدواجن على التجار الكبار أعلى وسيعنى ذلك إرتفاع أسعار الدواجن على الموطنين مما سيؤدى بالضرورة لإرتفاع سعرها على الفئات التى إستهدفها الدعم فى بادئ الامر.
ثالثا: زيادة فى حجم الدولة، فى حالة ذهاب أصحاب المخابز والعاملين فى الدولة إلى بيع الدقيق فى السوق السوداء، ستضطر الدولة إلى التعامل مع هذه المشكلة، عن طريق محاولة وضع مراقبين أكثر على عملية توزيع وإنتاج الخبز، مما سيؤدى إلى إرتفاع مصاريف الدولة وسيؤدى هذا بالطبيعة إلى فرض مزيد من الضرائب وسيعود هذا بنا إلى زيادة فى الاسعار أو زيادة فى البطالة.
على الجانب الاخر تقدم سياسات الرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية على السواء فى هذا الشأن، أمرين:
أولا: ضمان المنافسة بين أصحاب المخابز ومنتجى الخبز مما سيعنى بالضرورة، زيادة نسبة طلب العمل على “أحمد” و “محمود” لعملهم فى بناء المخابز أو منازل أصحابها او العاملين بها أو دون ذلك من الاعمال مما سيرفع من دخلهم وسيؤدى ذلك إلى ضمان حصولهم على نسب الخبز التى يحتاجونها، وسيؤدى هذا بمنتجى الخبز إلى تقديم أنواع مختلفة من الخبز بأسعار تناسب جميع الفئات الغنى والفقير على السواء وسيرفع ذلك نسبة الضرائب نتيجة زيادة نسبة الاعمال وتقليل نسب البطالة نتيجة زيادة نسبة المخابز التى ستتنافس لتوفير خدمة الخبز للمواطنين. ويكون دور الدولة الوحيد هو ضمان عدم وجود أى ممارسات إحتكارية.
ثانيا: العمل الفردى والطوعى لمساعدة الفئات الغير قادرة، بمعنى أوضح، تنطلق الليبرالية الكلاسيكية من أن على الافراد تحمل المسؤولية طوعًا لا قسرًا، وأن كل محاولات دفع الافراد إلى تحمل المسؤولية بشكل قسرى يؤدى إلى نتيجة عكسية، وفى هذا الشأن يبقى على الافراد المهتمين إقناع أكبر قدر من المواطنين بالمساهمة فى رفع معناة الاخرين سواء فى الخبز أو غيره من المشكلات، ومع إرتفاع دخل الافراد نتيجة زيادة أعمالهم والتوسع فيها سينعكس ذلك على نسبة المتبرعين وزيادة نسبهم.
إن الحالة الاولى نتائجها واضحة، سواء فى الواقع أو التاريخ أو النظرية ذاتها، والحالة الثانية بالمثل.
ختامًا سيبقى هناك فقراء وسيعانى الكثير من البشر مادامت البشرية على سطح البسيطة، يبقى همنا الاكبر هو تقليل مساحة المعاناة، لانها لن تلغى.
استطراد عاجل حول الكارثة الاقتصادية
منذ يومين، خفضت ”موديز“ التصنيف الائتماني للسندات الحكومية المصرية للمرة الرابعة على التوالي هذا العام. هذه العبارة تبدو وكأنها ”حاجة وحشة“ (كالإسلاميين بالضبط) لكن فهم مكمن ”الوحاشة“ فيها أقل أهمية من أن يدرج على جدول أعمال السيرك القومي المنصوب على ناصية النقاش العام في مصر. لا عجب: فالنخب الليبرالية المهووسة بشبكات التواصل الاجتماعي على الأجهزة الرقمية، لم تزل تقبع في عصور ما قبل الأرقام، وهو ما لم يعد معقولا ولا مقبولا. في وقت تكرَّس فيه مئات الصفحات والساعات التلفزيونية للحديث عن الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى في التحرير أو العباسية، تقترب الدولة المصرية من كارثة اقتصادية محققة، فيما قد يعني أن تغدو مصر ”صومالا على النيل“ – على حد تعبير معلق غربي – في أسوأ الاحتمالات، أو إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بالكامل لمصلحة الإسلاميين في أحسنها.
اليوم تخرج علينا المصري اليوم بخبر هذا مستهله:
كشف مصدر مسؤول بوزارة التخطيط والتعاون الدولى، أن صندوق النقد وضع اشتراطات لمنح مصر قرضا بنحو ٣.٢ مليار دولار، تضمنت رفع الدعم عن البنزين والكهرباء. وقال المصدر لـ”المصرى اليوم“ إن بعثة صندوق النقد الدولى التى غادرت القاهرة فى ٦ نوفمبر الماضى، لاتزال تنتظر الرد بقبول هذه الاشتراطات.
لنغض الطرف عن أن الحكومة المصرية، إن صح الخبر، تعرف بهذه الشروط منذ 6 نوفمبر دون أن تعلنها، إنما علينا أن ننتبه لأننا – ودون مبالغة – بصدد التحول الأهم على الإطلاق في مسار الأحداث منذ نزول مبارك عن الحكم. مربط الفرس هاهنا ليس التغير في موقف الصندوق ودلالة هذا التغير، وإنما سقوط المسلمة الرئيسية التي يركن إليها العلمانيون المصريون، الثوريون منهم وغير الثوريين، عن وعي أو غير وعي: أن المسألة الاقتصادية تنحصر في تعويض الخسائر الناجمة عن الاضطراب السياسي في العام المنصرم، وأننا، بعد الاقتراض والمساعدات الدولية، سرعان ما سنعود إلى نقطة الصفر (ما قبل 25 يناير) لنبدأ الحركة من هناك.
الخلل الرئيسي في هذه المسلمة مرده العجز عن فهم التحول الجذري في السياسة المالية المصرية في عهد حكومة نظيف. في السنة المالية 2003، كانت القيمة الكلية للدعم 7 مليار جنيه تقريبا، بما يساوي 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي و5.1% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة بنسبة 10.4% من الناتج المحلي الإجمالي. في السنة المالية 2008، أصبحت القيمة الكلية للدعم 84.2 مليار جنيه بما يوازي 9.4% من الناتج المجلي الإجمالي (أي ما يربو على 5 أضعاف) ، وحوالي 30% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي (أقل بما يزيد عن الـ3%). هذه الأرقام لا تعني فقط أداءً اقتصاديًا استثنائيا يتجاوز تغطية الزيادة المهولة في الإنفاق العام إلى خفض نسبة العجز من حد الانهيار إلى مستوى أكثر من مقبول، بل أيضا تحول نمط الدولة المصرية نفسه من دولة عالم ثالث يتهددها الإفلاس كل بضعة أعوام، إلى دولة استحقاق – ولا أقول دولة رفاه – متزنة محاسبيا، يقترب فيها الإنفاق على الدعم والخدمات الاجتماعية من ثلث الإنفاق العام.
المشكلة الرئيسية لهذا النمط، والتي بح صوت الاقتصاديين في بيانها منذ اختراع دولة الرفاه، أنه معلق في رقبة الاستقرار الاقتصادي، بحيث يؤدي أي تغير ديموغرافي أو اقتصادي جدي بما يزيد النفقات أو يقلص الموارد إلى انهيار النموذج بالكامل. في الحالة المصرية، أدى تراجع النشاط الاقتصادي إلى تقلص عائدات الضرائب ومن ثم إلى تفاقم عجز الموازنة، وهو ما سيضطر الحكومة لزيادة الضرائب أو الاقتراض أو كليهما معا. فأما زيادة الضرائب فتعني إضعاف فرص الاستثمار، وبالتالي تقليص العوائد الضريبية المستقبلية، أي زيادة عجز الموازنة مستقبلا بما يؤجل المشكلة دون أن يحلها. وهنا يكون على الحكومة أن تختار بين الاقتراض المحلي والاقتراض الأجنبي. فأما الاقتراض المحلي، فمعناه مزاحمة crowding out القطاع الخاص على سوق الائتمان المحلي، بما يعني تقليل فرص المستثمرين في الاقتراض، وهكذا وصولا إلى نفس النتيجة السابقة. هذا بالإضافة إلى أن تكلفة الاقتراض المحلي (سعر الفائدة) مرتفعة للغاية، وهو ما سيزيد من المصروفات المستقبلية وبالتالي يفاقم عجز الموازنة. وأما الاقتراض الأجنبي، فهو رهين تقييم المقرض لحالة الاقتصاد القائمة، وكلما ساء التقييم قيدت القروض بشروط يفرضها المقرض حسب مصلحته الاقتصادية أو السياسية. فإذا ما كان المقرض كيانا مؤسسيًا غربيًا، يكون تقييمه على أساس التصنيف الائتماني، وتكون شروطه اجراءات تقشفية لخفض الإنفاق العام، وتحديدًا الإنفاق الاجتماعي، كما هو حال اليونان مع الاتحاد الأوروبي، أو حالنا مع صندوق النقد.
إذا ما استبعدنا التهاويم الاشتراكية من قبل التأميم والمصادرة، يبقى أمامنا أحد اختيارين، إما تفكيك نموذج دولة الاستحقاق بالكامل، أي رفع الدعم بوسيلة أو أخرى، أو العثور على مقرض غير غربي بشروط أخرى. الاختيار الأول، مع إيماني بسلامته النظرية، كارثي. فبغض النظر عن دعم الخبز، وهو هامشي على أي حال، فمن يقدر على إقناع المصريين (بعد ثورة العدالة الاجتماعية) أن يشتروا لتر البنزين أو السولار بسعر يتراوح بين أربعة وسبعة جنيهات (هذا إن صمد الجنيه عند سعره القائم في مواجهة الدولار، أو لم يرتفع سعر خام النفط لأي سبب كان)؟ ارتفاع أسعار النقل سيؤدي إلى زيادة مهولة في أسعار كافة السلع، وقد نسقط في فخ الكساد التضخمي بانهيار الطلب المحلي مع ارتفاع الأسعار، هذا إن لم ننحدر إلى الفوضى الكاملة إن قرر المصريون الاحتجاج.
أما الاختيار الثاني فكارثي أيضًا، فهو يعني أولا الإبقاء على نمط الإنفاق العام القائم لينفجر آجلا، وثانيا، وهو الأهم، فيعني خروج مصر عن المنظومة الاقتصادية العالمية لمصلحة الإسلاميين. بشكل أكثر وضوحا، إذا ما نجح الإسلاميون في دفع صانع القرار لتدبير الخمسة عشر مليارًا المطلوبة لإنقاذ الموقف من مصادر غير غربية، ستغدو مهمتهم في السيطرة على الاقتصاد أكثر سهولة بكثير، خاصة إذا ما نجحوا في توفير ما يكفي من الاستثمارات الخليجية أو التركية أو حتى الصينية لاحقا. وهنا يتلاشى أمل الليبراليين في دور مزعوم للمجتمع الدولي في التصدي لتحول كامل نحو شمولية إسلامية (وهو، أي هذا الأمل، ما استدركه علي تدوينتي الأخيرة معلق كريم).
الحل الوحيد هو الضغط على الصندوق وغيره من المانحين الغربيين باتجاه التجاوز عن أي شروط عاجلة، مع السعي حثيثا للوصول إلى حل لرفع الدعم على المدى المتوسط أو البعيد. كذلك يجب الضغط على المجلس العسكري والحكومة للتخلي عن الشوفينية في هذه المسألة، وكفاهم ما أفسدوه بالعناد على مدار الشهور القليلة الماضية. والقول الأخير لليبراليين: ليس هذا محل شماتة ولا رغبة في ”تلبيس“ الإسلاميين، هذه مسؤولية تاريخية، فلنكن على قدرها أو لنحملنّ وزرها إلى أبد الآبدين.
أكذوبة اليسار
فى الدفاع عن المستضعفين
أن تشعر أكثر بمعاناة البشر وتميل إلى الفقراء وتساعد المستضعفين وتقف ضد الطغاة المستغلين أصحاب النفوذ والمال، أن تدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وتضمن للعمال حقوقهم ضد من يستعبدونهم، أن تقف مع المرأة ضد إستغلال الرجال، أن تتخلص من طبقتك كى تذوب مع الطبقات الأقل وتتعامل معهم بإدراك واع أنه لا فروق بينك وبينهم وأنك أحدهم، أن تشعر بالنقمة على الملكية الخاصة، أن ترى فى مؤسسة الزواج والعائلة والعلاقات الانسانية سلطة تتحكم فى حياتك وحريتك الفردية ويجب زاوالها.
بهذه الخطوات يمكنك أن تكون يسارى، يملؤك الفخر والشجاعة ناظرًا إلى الاخرين على أنهم مجموعة جبناء لا يمكنهم الوقوف مثلك أمام تاريخ البشر الطويل من الإستغلال والجشع وأنهم يفتقرون لأبسط المشاعر البشرية وأن الانانية محور حياتهم.
إعتاد اليسار – على إختلافه – إحتكار صورة المدافع عن الناس عامة والمستضعفين خاصة، وأضحت اليسارية شرط وجوب لمن يريد الدفاع عن البشر وهو أمر راسخ كجبل بألباب أبناء جيلى إلا من رحم ربى، حتى أن أحدهم ذكرت لى ذات مرة “علشان الواحد يدافع عن الناس لازم يبقى يسارى”.
فى غرفة محكمة جنوب القاهرة أو “باب الخلق” كما إعتاد المحامون ذكرها، كان حديث دائر بين العديد من المحامين من مختلف العمر، يسار معظمهم، كانت المرة الاولى الذى أقدم فيها على عمل تطوعى بصفة محام – تم ذلك لإسباب عدة لا محل هاهنا لذكرها – كانت لدى لحية خفيفة، فأعتقد الغالبية العظمى من السادة المحامون أننى من الإخوان وتعامل معى اليسارين منهم على ذلك وذكر أحدهم موجهًا حديثه إلي “يا أستاذ الزملا برة بيسألوا عليك” فكان ردى “مين” فقال “محامين الاخوان” فكان ردى بإبتسامة “أنا مش إخوان”.
ساد الصمت لبرهة غرفة المحامون حين ذكرت ” أنا ليبرالي” تبادل الجميع النظر وتجنبنى الكثير، وعبر أحدهم عن كيف أكون ليبرالي وأتطوع فى شيئ كهذا فأنتم بعيدين عن هذه الافعال بعد المياة عن ظمأى نهار الصحراء.
ناهيك عما فى ذلك من مغالطات تاريخية وفكرية وواقعية لنتائج فلسفات الليبرالية على حياة الافراد بشكل عام والمستضعفين بشكل خاص، ونكران عن وعى أو دونه لتاريخ دموى تم ولازال تحت مسمى العدالة الذى يردد على أنه معطى غير قابل للنقاش، ويهدف يسارى وطنى إلى تحقيقه مرتأين فيه الوسيلة المثلى للدفاع عن المستضعفين.
يكمن الفرق بين الليبرالية الكلاسيكية واليسار على إختلافه فى أمور عدة، أهمها المسؤولية، فالاولى تفرض على الافراد مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين بشكل طوعى –إلا ما يدخل فى إطار عمل الدولة-، أما محور فلسفة اليسار هو التخلى عن كل المسؤولية للدولة، حيث أنها ستنظم المجتمع والافراد بشكل قسرى من خلال رؤية مسبقة، يبقى فيها على كل الافراد المستضعفين ودونهم أن يدخلوا فى هذا الاطار وليس لطموحهم الفردى مجال، حيث إنه إما يفسر على أنه أنانية أو رفاهية نحن فى غنى عنها، تنتهى حياة الافراد فى دول كهذه بتحول البشر إلى آلات لتحقيق أحلام منظمى الدولة وليس لاحلام المستضعفين أو دونهم مجال، ومعها يبدو جليًا الاكذوبة التى يحيا عليها اليسار من كونه مدافع عن المستضعفين.
كيف تمثل الليبرالية الكلاسيكية المخرج الوحيد من قيام دولة شمولية
بالرغم من الانتقاد الواسع لليبرالية فى بلدى، ولسياسات السوق الحر بالأخص، تبقى الليبرالية الكلاسيكية مخرج هام لأزمات لا حصر لها ولا يمكننى بحال من الاحوال حصرها وطرح حلولها فى هذا الحديث، لذا ففى عدد من المقالات المقبلة سأعمل جاهدًا على طرح الحلول التى تقدمها الليبرالية الكلاسيكية لمشكلات المجتمع المصرى.
بعد الانتخابات التونسية الاخيرة، بدا واضحا أن التيارات الاسلامية سيكون لها دور هام فى الفترة المقبلة، لا يبدو واضحًا حتى الان إن كانت هذه التيارات ستأخذ دولها رأسًا نحو نظام شمولى تنتهى معه وبه آمال وطموحات أجيال قادمة فى حرية منشودة أم لا، لذا يبقى التساؤل كيف تكون هناك ديمقراطية نضمن بها ألا تذهب معها مساحات الحرية المحدودة أدراج الرياح؟
قبل طرح إجابة فلسفة الليبرالية الكلاسيكية على هذا التساؤل، أود بداية توضيح الإختلاف بين الافكار السياسية بشكل مبسط فى هذا الشأن.
تتفق التيارات السياسية على إختلافها فى الوقت الراهن لأسباب متعددة على أنهم يريدون الديمقراطية وينشدونها مرتأين فيها الحل الناجع لمشكلات المصريين.
وهذا بالضرورة يطرح أمام أعيننا سؤال أخر، ماذا يمكن للمجالس المنتخبة بشكل ديمقراطي أن تقرر؟ هل يمكنهم تقرير أى شيئ ؟ ما الحدود التى عليهم ألا يتخطوها؟ هل يمكن على سبيل المثال إقرار ترحيل مجموعة بعينها من المصريين خارج الاراضى المصرية تحت أى الاسباب؟ وإذا كانت الاجابة بلا فلماذا؟ وهل يجوز التفرقة بين الافراد على أساس الدين أو الجنس أو حتى المستوى الاجتماعى؟
وهنا تتعدد الاجابات بتعدد التيارات السياسية -التى يصعب حصرها وتوضيح الفروق بينها هاهنا-، ولكن إذا حاولنا طرح الافكار إجمالًا، فأن التيارات الإسلامية ترى أن الاغلبية تقرر كل شيئ يحافظ على الأخلاق وتعاليم الدين، ولا يجوز لها أن تخالف ذلك، ولا يجوز للاقلية الاعتراض على هذا الامر لانه أمر الله وليس أمرًا بشرى – بعيدا عن الدخول فى تفاصيل هذا الناتج،بداية من الاختلاف بالاصل ما هى أوامر الله؟ وهل هى للافراد أم للجماعات وهل يجوز فرضها أم يجب ان تكون إيمانية؟ وهل يصلح الايمان بالاكراه؟ - يبدو هذا للكثير منا متشددًا ومخيفًا، ولكنه لا يختلف كثيرًا عن تيارات اليسار السياسى، ترى تلك التيارات أن الديمقراطية عليها أن تفرق بين المواطنين على أساس إقتصادى وأنه إن كان المواطن لديه مصدر رزق أوسع من غيره فعليه بالضرورة أن يدفع أكثر للدولة بالرغم تلقيه نفس القدر من الخدمات التى تقدمها الدولة لكافة المواطنين دون تمييز. ويتفق هذا وذاك فى ضرورة قيام الدولة بأنشطة إقتصادية لمنع إستغلال البشر لبعضهم البعض.
لهذا لا يوجد إتفاق أو مخرج لهاذين التيارين فى تحديد مهام المجالس المنتخبة ولهذا يرهع المواطنون إلى دول سلطوية تجنبًا الدول الشمولية. يبرز دور الليبرالية الكلاسيكية فى هذا الشأن ممثلًا المخرج الرئيسى لمشكلة طغيان الاغلبية فى مثال دولة الحد الادنى.
تنتطلق فلسفات الليبرالية الكلاسيكية من أن هناك حقوق طبيعية وهى ثلاثة حقوق لا رابع لهم، يتفق عليهم البشر على إختلافهم ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل إيجاد بند رابع متفق عليه من البشر على إختلافهم، ويتمثل دور المجالس المنتخبة فى تقرير الاجراءات والقوانين التى تهدف إلى حماية هذه الحقوق، وخارجها تبقى مساحة الأفراد لتنظيم أنفسهم وتحمل مسؤولياتهم الفردية والمجتمعية.
تتمثل الحقوق فى:
١- الحماية من الايذاء الجسدى.
٢- حماية الملكية الفردية.
٣- حماية التعاقدات بين الافراد.
فى هذه الحالة والتى تمثل دولة الحد الادنى، تبقى الدولة عند أصغر مساحة لها ويبقى من الصعب إن من لم يكن من المستحيل التحول إلى دولة شمولية، حيث يكون المصدر الوحيد لدخل الدولة من خلال الافراد، وهو ما سيجعل معادلة القوة مختلفة عما هى عليه الان فى الدولة المصرية، فالدولة الان تمتلك ترسانه مصانع ومرافق وإعلام – ناهيك عن المؤسسة العسكرية التى تمتلك ما يقارب 40% من الاقتصاد المصرى وعمال بالاف مجانًا- مما يبقى على الدولة فى موقف قوه حيث أنها تقدم كل شيئ للمواطنين العمل والخبز والمعرفة، وتبدو دوما فى موقف العَطاء، لذا من الطبيعى أن تمتلك حياتهم فى المقابل ويضحوا عبيدًا لها سواء بأجسادهم أو بعقولهم.
فى طرح الليبرالية الكلاسيكية لا يوجد دخل للدولة إلا من خلال الضرائب التى يقررها الافراد للدولة من خلال مجالس منتخبة للانفاق على البنود الثالثة سالفة الذكر، فأن الدولة تبقى فى إحتياج للمواطنين لتمويل كل ما تقوم به، ويبقى من الصعب تدخل السياسين فى حريات وحقوق الافراد وزيادة مساحة تحكمهم فى الحياة اليومية للمواطنين.
وبعودة إلى السؤال الاول، وهو كيف تكون هناك ديمقراطية تأتى بمن تأتى به، ولا تؤثر على شكل الدولة وعلى حريات وحقوق المواطنين؟، تمثل إجابة الليبرالية الكلاسيكية المخرج الوحيد لهذه المشكلة فى بقاء الدولة والمنتخبين بشكل ديمقراطى فى إطار عمل دولة الحد الادنى، بعيدة عن التحكم فى حريات وحياة الافراد ، ممثلًة المخرج الوحيد لأزمة الديمقراطية وطغيان الاغلبية.
الحد الأدنى والأقصي للأجور
تلعب الدول دوراً رئيسياً لتحديد ملامح النظم الأقتصادية من خلال فرض سياسات تدخلية لتوجية الأقتصاد نحو نتائج مقصودة، وقد تفرض الدولة في أحياناً بعض السياسات التدخلية لمعالجة مشكلة ينتج عنها مشكلة أقتصادية أخرى، وفي ضوء مطالب الثورة وتحقيق العدالة الإجتماعية وسد الفجوه بين الطبقات وتحقيق المساواة، تصاعدت الأصوات المطالبة بفرض الدولة حداً أدنى للأجور لرفع مستوى المعيشة، ومن ثم ينتج عن ذلك زيادة في معدلات البطالة، قد يبدو ذلك غير منطقي ولكن أذا نظرنا الى تلك السياسات أقتصادياً فأن العمل سلعة كباقي السلع يتحدد ثمنها (الأجر) وفقاً لأليات العرض والطلب، فأذا فرضت الدولة حد أدنى للأجور ثلاث جنيهات للعامل فيما أن قيمة العمل تساوى جنيهان فقط، ستزيد كمية العرض (عدد الراغبين في العمل بثلاث جنيهات) فيما أن عدد أصحاب العمل الراغبين في تشغيل عمال بأجر ثلاثة جنيهات سيقل، وهو ما سيؤدي بهم إلى تقليص العمالة إلى المستوى الذي يناسبهم، أو فصل العمالة الزائدة، وبالتالي إرتفاع معدل البطالة.
لذا فأن قيمة العمل يجب أن تحدد وفقا لأليات العرض والطلب ومراعاة الحقوق القانونية الكاملة للعمال سواء في التفاوض الجماعي أو حريتهم في التمثيل النقابي.
كما هو حال أذا فرضت الدولة حداً أقصي لسعر سلعةً ما فإن مساحة الطلب عليها سيزيد فيما أن عدد التجار الراغبين في بيع سلعة ما بسعر منخفض سيقل وهو ما سيؤدي بهم الى خفض كمية العرض من تلك السلعة حتى تصل الى المستوى الذي يناسبهم وبالتالى عجز في السلعة المطروحة في السوق وإنخفاض جودة السلعة (لأنها في جميع الأحيان ستباع عند سعر معين لن تزيد عنه) أيضاً سيوجه التجار ما يتوافر لديهم من تلك السلعة الى السوق السوداء لتحقيق أرباح أعلى وبالتالى نقصان الكمية السلعة المطروحة في السوق القانونية ومن ثم عجز في آليات السوق وتجاوزات قانونية على الدولة مواجهتها لوقف التداول في السوق السوداء، وهو ما يعني المزيد من التكاليف وتنامي حجم الدولة والعبء الملقى على عاتقها.
أما في حالة فرض الدولة حد أقصي للأجور لتحقيق المساواة والعدالة الأجتماعية فينتج عن ذلك بطالة أيضاً وعدم أستغلال للكفاءات، فأذا فرضت الدولة أربعة جنيهات مثلاً كحد أقصي للأجور فعدد المؤسسات الراغبة في كفائات ورموز مهنية سيزيد في ضوء السقفية السعرية المفروضة من الدولة. وعدد الراغبيين في العمل بأجر منخفض (من أصحاب الكفاءات المهنية) سيقل فأما عليهم القبول بأجور منخفضة أو البحث عن عمل خارج تلك المنظومة أوالبقاء فيها دون عمل. ومن ثم ينتج عن ذلك أما توظيف غير ذوى الكفاءة(عجز في جودة المنتج)، أو أبرام أتفاقات خارج القانون كي تدفع بها المؤسسات لموظفيها (سوق سوداء).
في حالة وجود بطالة كما هو الحال في مصر قد تتدخل الدولة ببعض الأجراءات التحفيزية للتشجيع على الأستثمار، كتخفيف الضرائب لفترة محددة على المشروعات الحديثة، والخيار الأسلم هنا أن تكتفي الدولة بدورها كمراقب وحفاظها على الإجراءات القانونية المتعلقة بحماية الملكية الفردية وحماية حرية السوق وأليات العرض والطلب باعتبارها الضمان الرئيسي للقيمة، و بصفتها الكيان القائم على تنفيذ القانون.




