Skip to content

Posts by Ammar Darwish

5
Apr

الحد الأدنى والأقصي للأجور

تلعب الدول دوراً رئيسياً لتحديد ملامح النظم الأقتصادية من خلال فرض سياسات تدخلية لتوجية الأقتصاد نحو نتائج مقصودة، وقد تفرض الدولة في أحياناً بعض السياسات التدخلية لمعالجة مشكلة ينتج عنها مشكلة أقتصادية أخرى، وفي ضوء مطالب الثورة وتحقيق العدالة الإجتماعية وسد الفجوه بين الطبقات وتحقيق المساواة، تصاعدت الأصوات المطالبة بفرض الدولة حداً أدنى للأجور لرفع مستوى المعيشة، ومن ثم ينتج عن ذلك زيادة في معدلات البطالة، قد يبدو ذلك غير منطقي ولكن أذا نظرنا الى تلك السياسات أقتصادياً فأن العمل سلعة كباقي السلع يتحدد ثمنها (الأجر) وفقاً لأليات العرض والطلب، فأذا فرضت الدولة حد أدنى للأجور ثلاث جنيهات للعامل فيما أن قيمة العمل تساوى جنيهان فقط، ستزيد كمية العرض (عدد الراغبين في العمل بثلاث جنيهات) فيما أن عدد أصحاب العمل الراغبين في تشغيل عمال بأجر ثلاثة جنيهات سيقل، وهو ما سيؤدي بهم إلى تقليص العمالة إلى المستوى الذي يناسبهم، أو فصل العمالة الزائدة، وبالتالي إرتفاع معدل البطالة.

لذا فأن قيمة العمل يجب أن تحدد وفقا لأليات العرض والطلب ومراعاة الحقوق القانونية الكاملة للعمال سواء في التفاوض الجماعي أو حريتهم في التمثيل النقابي.

كما هو حال أذا فرضت الدولة حداً أقصي لسعر سلعةً ما فإن مساحة الطلب عليها سيزيد فيما أن عدد التجار الراغبين في بيع سلعة ما بسعر منخفض سيقل وهو ما سيؤدي بهم الى خفض كمية العرض من تلك السلعة حتى تصل الى المستوى الذي يناسبهم وبالتالى عجز في السلعة المطروحة في السوق وإنخفاض جودة السلعة (لأنها في جميع الأحيان ستباع عند سعر معين لن تزيد عنه) أيضاً سيوجه التجار ما يتوافر لديهم من تلك السلعة الى السوق السوداء لتحقيق أرباح أعلى وبالتالى نقصان الكمية السلعة المطروحة في السوق القانونية ومن ثم عجز في آليات السوق وتجاوزات قانونية على الدولة مواجهتها لوقف التداول في السوق السوداء، وهو ما يعني المزيد من التكاليف وتنامي حجم الدولة والعبء الملقى على عاتقها.

أما في حالة فرض الدولة حد أقصي للأجور لتحقيق المساواة والعدالة الأجتماعية فينتج عن ذلك بطالة أيضاً وعدم أستغلال للكفاءات، فأذا فرضت الدولة أربعة جنيهات مثلاً كحد أقصي للأجور فعدد المؤسسات الراغبة في كفائات ورموز مهنية سيزيد في ضوء السقفية السعرية المفروضة من الدولة. وعدد الراغبيين في العمل بأجر منخفض (من أصحاب الكفاءات المهنية) سيقل فأما عليهم القبول بأجور منخفضة أو البحث عن عمل خارج تلك المنظومة أوالبقاء فيها دون عمل. ومن ثم ينتج عن ذلك أما توظيف غير ذوى الكفاءة(عجز في جودة المنتج)، أو أبرام أتفاقات خارج القانون كي تدفع بها المؤسسات لموظفيها (سوق سوداء).

في حالة وجود بطالة كما هو الحال في مصر قد تتدخل الدولة ببعض الأجراءات التحفيزية للتشجيع على الأستثمار، كتخفيف الضرائب لفترة محددة على المشروعات الحديثة، والخيار الأسلم هنا أن تكتفي الدولة بدورها كمراقب وحفاظها على الإجراءات القانونية المتعلقة بحماية الملكية الفردية وحماية حرية السوق وأليات العرض والطلب باعتبارها الضمان الرئيسي للقيمة، و بصفتها الكيان القائم على تنفيذ القانون.

27
Mar

الحرية وسيلة أم غاية؟

تهتم مبادئ الليبرالية الكلاسيكية بعلاقة الفرد بالدولة، بحيث تُبقى الدولة في نطاقها الأدنى الهادف للحفاظ على حرية الفرد بأقل قدر من القيود التى تنظم وتضمن علاقته بباقي الأفراد. أما باقي القضايا الخلافية التى تقع في نطاق العلاقات الإجتماعية فعلى الأفراد أنفسهم تقرير مواقفهم منها بما يتوافق مع احتياجاتهم ورؤيتهم للعالم، وليس للدولة شأن في ذلك. أو كما يبين (جون ستيوارت ميل): “سبب وجود السلطة هو منع الضرر عن الأفراد، وأي تدخل للدولة في شئون الأفراد الخاصة هو مرفوض حتى لو ادعت السلطة تحقيق مصالح لهم، ذلك لأن الليبرالية تؤمن بقدرة كل فرد في تحديد مصالحه أفضل من الدولة، ومن المؤكد للأفراد تحقيق منافعهم بصورة أفضل مما لو حدث أي تدخل يحد من حرياتهم.

لكن، ونتيجة لاختلاف الثقافات وتعدد المرجعيات وفي ظل الحرية، تختفي أي مرجعية نهائية لتحديد الصواب من الخطأ، مما قد يؤدى الى الوقوع في فخ العبثية كما حدث فيما بعد مرحلة التنوُر في اوروبا، حين خاب أمل الكثيرين في عالم السلام الدائم والرخاء الوفير الذي وعد به التنويريون. فالحرية إن وجدت بغير محتوى قيمي، يتفشي اقتناع عام بعدم جدواها، ويقع الفرد فريسة للازدواجية بين رغبة أصيلة في الإبداع وإحساس بلا أهمية هذا الإبداع في ظل غياب أي إطار قيمي يحدد قيمة إبداعه. أو ينتهي الأمر بالفرار إلى الشمولية، بظهور طليعة تفرض إطارا قيميا ينقذ الفرد من عدميته عن طريق تجريده من حريته ومن ثم آدميته.

نري من ذلك أن الحرية هي وسيلة لتمكين الفرد من تحقيق ذاته من خلال محتوى حياته سواء أكان علم أم أدب أو فن أو دين ،فالهدف هو التنوع بين الأفراد بما يسمح بظهور انواع مختلفة من الأبداع في نسيج إجتماعي واحد.

إذن فأن الحرية تسعى الى تحرير الأفراد من أي قيود تحد من إبداعاتهم، والهدف من الحرية هو الاختيار ومساعدة الأفراد على تحديد أولوياتهم ومصالحهم بما يتفق مع إهتمامتهم وتحمل ما يقع عليهم من مسؤوليات ترادف ما يتمتعوا به من حريات.

الهدف من الحرية هو الابداع والارتقاء بمستوى ما يفعلوا سواء كان علم او أدب او فن، يكون هذا اسهل في ظل الحرية، فهي حافز ليس هدف. ولا يمكن تحقيق ذلك المناخ الا في بيئة مجتمعية، يكون فيها  التنوع هو وقود الابداع، ليس سبب لمعاداة الاخر او الاختلاف معه.

وليس كما يزعم البعض ان الليبرالية هي توجة سياسي لا قلب له، يسعى الي تحقيق المصالح لرأس المال الذى لا تهتم الا بمصالحه المادية، ولكنها على العكس تهتم بتعايش الافراد ولو أختلفوا وإثراء تنوعهم الذي يسمح لكل فرد ان يرى العالم من خلال ما يهتم به ويؤمن به، وبقدر تنوع الأفراد بقدر ما ينمو مجتمع ثرى بأفراد لهم أهداف مختلفة يسعوا الى تحقيقها بوسائل متعددة في إطار القانون لا يقل أحدهم قيمة عن الاخر، لان كل منها ينفع الافراد بشكل مختلف في مجتمع يجمع بين أفراده فقط تحت راية الحرية.

24
Mar

خبز.. حرية.. عدالة إجتماعية

تأتي الثورات تعبيراً عن غضب الشارع وغالباً ما تكون نتيجة تراكم مشاكل إجتماعية وإقتصادية وسياسة ترجع جذورها ربما إلى عقود عدة ولكن التعبير عن الغضب وحده ليس كافيا لحل تلك المشكلات وكما هو الحال في مصر ليس هناك مشكلة بعينها ولكن هناك مشاكل عدة تتنوع بقدر الأفراد والجماعات المعنية بها. وليس ثمة علاج واحد لحلها ولكن على كل منا السعي وراء تحقيق مطالبة من خلال الاصلاح التدريجي. وعلى النقيض إتخاذ الثورات كمبدأ للتغيير ينتج عنها إما نجاحها ستولى عليها التيار الأكثر عنفاً لغياب النظام وقمع المنافسين او حتى المختلفين فكرياً نتيجة الفراغ الأمنى وتتحول الشرعية من سيادة القانون إلى شرعية الثورة. أما في حال فشلت الثورة فيزيد النظام من استخدام القمع حتى يضمن عدم تكرارها مرة أخرى.

ثورة 25 يناير خرجت للمطالبة بإصلاحات اجتماعية وسياسية عامة ثم تحولت إلى إسقاط شرعية النظام و إقتلاع جذور الفساد – الغير محددة – والإنتقام من كل ذي صلة بالنظام أو الحزب الحاكم فتتحول مطالب الثورة من الإصلاح أو التغيير إلى الإنتقام بدافع التشفي لا مخالفة للقانون والفساد.

هنا يُطرح السؤال: هل يجوز لنا معاقبه خصومنا؟ هل يجوز انتزاع الحرية – كأحد مبادئ الثورة – من المختلفين معنا ووصف المعارضيين بأنهم عملاء وأصحاب أجندات، تلك حيلة قديمة إستهلكها النظام بنعت معارضيه بأنهم خونة وأعداء للوطن، فلا يجوز إستخدامها إذا كنا نؤسس لنظام سياسي إجتماعي يتيح للجميع السعي لتحقيق مطالبهم.

نتيجة لفقر أطروحات النخبة السياسية وعدم تلاقيها مع مطالب الجماهير وتمتع الجيش بالشعبية المطلقة وهو الذى يمثل الحليف الأول للشعب “ظاهريا” ينتُج عن ذلك إصلاحات شكلانية كتعديلات الدستور – التى نص عليها خطاب الرئيس السابق- كإجراءات تمهيدية لتسليم السلطة للمدنيين، وتغيير القيادات بغرض تهدئة حالة الغضب وإعادة ترتيب الأوراق بما يتناسب مع (الجيش).

أنا لا أدعي أن حل الأصلاح هو استيراد أفضل الدساتير كما يطالب البعض، فتلك هي شكلانية من نوع أخر، ناهيك عن عدم تلبيتها لمطالب الجماهير، لا لنقص فيها ولكن لعدم التأسيس لها إجتماعياً وفكرياً، وإذ نظرنا الي ظروف التشريع تاريخياً نجد أن القوانين والتشريعات تأتى نتيجة لضغط مجتمعي من أصحاب المصالح على المشرعين وتلك التحركات لا تبدأ في الخروج فعلياً إلا إذا كانت متجذرة إجتماعيا.

القانون هو الفيصل في حل النزاعات بين الأفراد سواء مع الدولة أو فيما بينهم، وليس هذا ما يحدث الآن، فهناك موجة من الشحن العدائى تجاة كل من يشتبه في كونه ذى صلة بالنظام السابق أو حتى له موقف مغاير من الثورة، وأصبحت الشرعية هي شرعية الثورة فكل من يتكلم بأسمها لا يجوز مناقشته.

ومع ذلك فأنا لى موقف مغاير للثورة، فقد انضممت إلى صفوفها في الخامس والعشرين ليس كمؤيد لهتافاتها (خبز حرية عدالة إجتماعية) التى تبدو لي الأن مطالب غير قابله للقياس، ولكن لدعم حالة الإيجابية التى انتابت الشارع المصري والرغبة الحقيقة في رفع الظلم وتحقيق الإصلاح وليس الهدم الجذرى للنظام، وبعدما عمت الفوضى الشوارع وظهر الغياب الأمني التام، وفتحت أبواب السجون على مصرعيها، باتت الصورة أمامى سوداء وما لبثت أن تحولت الوجوه المطالبة بالتغيير في الميدان وصار الوضع الى شعبوية جوفاء لن تصمد كثيراً حتى تتحول الى عبثية.