فى فهم سياسات الدعم
قضية دعم الطاقة
كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف صباحًا، كنت نائمًا كالعادة، وجاء صوت صراخ قاطعًا هدوء الصباح، فما كان منى إلا أن هرعت نحو الشرفة بدقات قلب سريعة وعينين مفتوحتين، محاولا التعرف عما يدور بالشارع، رأيت رجلين ممسكًا كل منهم بالاخر وفى حالة عراك، أحدهم كان يغطى وجهه الدماء، صراخ النساء وسباب الرجال كان يتعالى، تأسفت لحالهم ولم أستطع أن أفعل المزيد. دخلت مرة أخرى لغرفتى محاولا الامساك بطرف النوم ولكنه كعادة هذه الايام يهرب دون عوده.
بعدها بساعات سألت أختى لماذا كان هذا العراك، كان ردها لى “ده كان علشان طابور العيش”. تختلف المواقف كلية حين تقرأ عنها فى الصحف وحين تحياها، فحين تحياها تتعدى كونها مجرد كلمات وسطور فى جريدة وإنما تبقى عالقة فى الذاكرة بصورتها كما هى لا تتحرك.(كان هذا الموقف فى صيف عام 2009) عاد هذا المشهد إلى ذهنى مع الاخبار العديدة التى يتم نقلها حول معارك تتم للحصول على أنبايب البوتاجاز أو صور للسيارات المتوقفة بالساعات أمام محطات الوقود.
يبدو منطقيًا لمن هم فى مثل حالتى الانضمام المباشر لصفوف المطالبين بسياسات زيادة الدعم ولوم الدولة على عدم توفيرها لخبز كاف، وأن دماء الرجل التى أسيلت أو ربما حياته التى كانت قرب قوسين أو أدنى من الانتهاء تمت بسبب تقاعس الدولة عن عدم توفير ما يلزم من حياة كريمة للمواطنين، وأن أرى فى أطروحات الاقتصاد الموجه الذى تقدمها النخب المصرية – على إختلافها – مخرج للحفاظ على حياة القطاعات الافقر فى المجتمع.
بينما يبدو إختيار الايمان بأفكار الرأسمالية بعيد تماما عما عايشته، خاصة فى ظل خطاب عام يرحب بتدخل الدولة فى كافة نواحى الحياة، وتجذر السخط على أفكار السوق الحر فى ظل غموض يكتنفها وسوء تفسير يُقدم لها، والذى يتمثل أفضلها فى “التيار الليبرالي المصرى” الذى يرى أن الرأسمالية نوعين، أحدهما حميد وهى الرأسمالية الوطنية والاخر خبيث وهى الرأسمالية الغربية.
ولما كان ذلك غريب للمقربين منى، فكانت الازمة الحالية للطاقة فرصة طيبة للحديث حول كيف أننى أجد فى الرأسمالية حل منطقى لمشاكل الفقر وخروج من سيطرة السياسين على حياة الافراد وإعطاء الافراد أكبر مساحة من الحرية الفردية.
لنقل أن الرجلين المتعاركين هما ” أحمد السباك” والاخر “محمود الجناينى”. أحمد يتقاضى أجره باليومية ولا ينتظم فيه نتيجه طبيعته وإيضا لحالة المعمار التى تتحرك ببطئ مما أثر على دخله بشكل سلبى، أما محمود فبحكم عمله لا يوجد لديه يومية وإنما حسب العمل المطلوب منه ومؤخرًا تقلص حجم المتعاملين معه بعد إقتناع عدد منهم أن الاستهلاك شيئ معيب ويجب التخلص منه، وأن على الناس الاستهلاك فى أضيق الحدود وفى الامور الرئيسية للحياة وبالطبع لم يكن التشجير شيئ منها. دفعتهم حالة كل منهم إلى هذا العراك.
المطالبين بزيادة الدعم، يتلخص موقفهم فى أن على الدولة توفير دعم أكبر لما تحتاجه هذه الطبقة، وفى هذا الطريق على الدولة أن تحصل مبالغ أكبر من الاغنياء لصالح هذه القضايا. يبدو ذلك غاية فى العدل، ولا ضرر منه على الاطلاق، ولكن فى الواقع هناك من المشاكل التى تسببها سياسات الدعم ما ينتهى بها إلى أضرار للفئات المستفيدة ودونها من فئات أخرى.
فى حالة الدعم، ولان الدولة لا يمكنها أن توفر النقود المطلوبة للدعم إلا من خلال المواطنين، فذلك يعنى بالضرورة أن عليها فرض ضرائب اعلى، مما يعنى أمر من إثنين إما زيادة فى نسبة البطالة أو زيادة فى الاسعار وفى الحالتين سيكون أكبر المتضررين هم القطاعات الافقر، ولكن الحديث عن نسب الضرائب العليا حديث غير.
رجوعًا إلى توضيح الضرر من سياسات الدعم، حين تقوم الدولة بدعم منتج ما، فهذا يعنى التدخل فى أليه تسعيره، مما يعنى ذلك ثلاثة أمور:
أولا: زيادة فى نسبة إستهلاك الموراد الطبيعية، ففى حالة أحمد ومحمود السابق ذكرهما، فإذا كان سعر الخبز هو جنيه واحد طبقًا لسعر السوق، وقامت الدولة بدعمه ليبقى خمسون قرشًا، سيزيد ذلك من نسبة إستهلاكه من قطاعات أكبر لرخص ثمنه، أو لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو لبيع الدقيق فى السوق السوداء لان أصحاب المخابز سيحصلون على فائدة أكبر أو إذا كان المخبز حكومى سيستفيد القائم على إدراته بدخل مادى أكبر، وهذا كله سيعنى بالضرورة إلى إستهلاك وإهدار الموارد الطبيعية. وعدم توافر الخبز إلى الفئات المستهدفة.
ثانيا: التأثير على الصناعات المرتبطة، فى حالة ذهاب عدد من صغار التجار إلى إستبدال علف الحيوانات بالخبز، نتيجة رخص ثمنه عن العلف، سيؤدى هذا بتجار العلف إلى رفع الاسعار لتعويض الخسائر من الاستهلاك القليل، مما سيجعل تكلفة تربية الدواجن على التجار الكبار أعلى وسيعنى ذلك إرتفاع أسعار الدواجن على الموطنين مما سيؤدى بالضرورة لإرتفاع سعرها على الفئات التى إستهدفها الدعم فى بادئ الامر.
ثالثا: زيادة فى حجم الدولة، فى حالة ذهاب أصحاب المخابز والعاملين فى الدولة إلى بيع الدقيق فى السوق السوداء، ستضطر الدولة إلى التعامل مع هذه المشكلة، عن طريق محاولة وضع مراقبين أكثر على عملية توزيع وإنتاج الخبز، مما سيؤدى إلى إرتفاع مصاريف الدولة وسيؤدى هذا بالطبيعة إلى فرض مزيد من الضرائب وسيعود هذا بنا إلى زيادة فى الاسعار أو زيادة فى البطالة.
على الجانب الاخر تقدم سياسات الرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية على السواء فى هذا الشأن، أمرين:
أولا: ضمان المنافسة بين أصحاب المخابز ومنتجى الخبز مما سيعنى بالضرورة، زيادة نسبة طلب العمل على “أحمد” و “محمود” لعملهم فى بناء المخابز أو منازل أصحابها او العاملين بها أو دون ذلك من الاعمال مما سيرفع من دخلهم وسيؤدى ذلك إلى ضمان حصولهم على نسب الخبز التى يحتاجونها، وسيؤدى هذا بمنتجى الخبز إلى تقديم أنواع مختلفة من الخبز بأسعار تناسب جميع الفئات الغنى والفقير على السواء وسيرفع ذلك نسبة الضرائب نتيجة زيادة نسبة الاعمال وتقليل نسب البطالة نتيجة زيادة نسبة المخابز التى ستتنافس لتوفير خدمة الخبز للمواطنين. ويكون دور الدولة الوحيد هو ضمان عدم وجود أى ممارسات إحتكارية.
ثانيا: العمل الفردى والطوعى لمساعدة الفئات الغير قادرة، بمعنى أوضح، تنطلق الليبرالية الكلاسيكية من أن على الافراد تحمل المسؤولية طوعًا لا قسرًا، وأن كل محاولات دفع الافراد إلى تحمل المسؤولية بشكل قسرى يؤدى إلى نتيجة عكسية، وفى هذا الشأن يبقى على الافراد المهتمين إقناع أكبر قدر من المواطنين بالمساهمة فى رفع معناة الاخرين سواء فى الخبز أو غيره من المشكلات، ومع إرتفاع دخل الافراد نتيجة زيادة أعمالهم والتوسع فيها سينعكس ذلك على نسبة المتبرعين وزيادة نسبهم.
إن الحالة الاولى نتائجها واضحة، سواء فى الواقع أو التاريخ أو النظرية ذاتها، والحالة الثانية بالمثل.
ختامًا سيبقى هناك فقراء وسيعانى الكثير من البشر مادامت البشرية على سطح البسيطة، يبقى همنا الاكبر هو تقليل مساحة المعاناة، لانها لن تلغى.
بين إدراك الخطأ وتعديل المسار
عام على الثورة المصرية
خلال الايام القادمة سيمر عام على أحداث الخامس والعشرون من يناير، وما بين عام من النضال الثورى أفضى إلى برلمان بأغلبية شمولية ودولة على شفى الانهيار الاقتصادى، وبين خطاب لا يحمل إلا كلمات جوفاء دفع مئات الارواح إلى حتفها بوعود الخير المطلق. يأتى العام الجديد بآمال لم تتحقق حاملًا شعار “الثورة مستمرة” وبالرغم من كون العام الماضى كان إثبات جلى أن أغلبية المصريين لا يهتمون بالشأن العام -كغيرهم من البشر- وإن أهتموا فليست الثورة أول هذه الاهتمامات. فبين إستفتاء حصلت فيه القوى الثورية على ما يقارب العشرون بالمئة وإنتخابات كانت قوائم الثورة تحتل مؤخرة النتائج حتى فى أفضل الدوائر على الاطلاق، وأحزاب ثورية يمثلها أقطاب إعلامية، كحزب الدكتور: شادى الغزالى حرب، الذى لم يحصل إلا على يربو من (ثمانية عشر الف صوتًا) وقائمة الثورة مستمرة التى لم تحصل إلا على (أثنين ونصف بالمئة) من إجمالى الاصوات الصحيحة.
ظهر شعار “الثورة مستمرة” مجسدًا إدراك الثوار أن الثورة وأحلامها قد ولت، وأعتلى قمتها أصحاب القامات العليا سواء المؤسسة العسكرية أو الاسلاميين، فسر الثوار هذه النتيجة الغير متوقعة – بالنسبة لهم – على أنها إما ثورة مضادة أو خيانه لدماء الشهداء أو جهل ناخبين أو أن أمثالى ممن لم يساندوا الثورة أفسحوا المجال لسيطرة الاسلاميين، أو دونها من الاسباب التى ليس من بينها أن الثورة نفسها كانت فكرة خاطئة. لم ولن يُحمل الثوار أنفسهم مسؤوليه مساوئ العام الماضى من فقدان أرواح ومصادر رزق لكثير من المصريين، وإنما لخص أقطاب اليسار العام الماضى فى أن الانتخابات الاخيرة أثبتت أن بمصر ما يقارب 800 ألف تقدمى، وأن الثورة أصبح يؤمن بها ما يربو على مليون مصرى (فى إشارة لنسبة أصوات قائمة الثورة مستمرة) ولما كان هذا حديث غافل وإمساك بوهم وإعادة إنتاج خطاب نعيش نتاجه يوميًا، كان أبلغ رد على وجهات النظر هذه هى كلمات الحلاج “وهم لا يبصرون من العماء”.
إن ما أدعو إليه فى هذا المقال أمرين; اولهما: هو إدراك أن طريق الثورة لم يكن الطريق الاسلم، وأن الافضل هو إدراك الخطأ من التمادى فيه، ثانيا: تحديد المطالب دون الدخول فى معارك وهمية من نوعية حكم العسكر أو هدم الدولة بالكامل أو دونها من المعارك التى لا تقدم إلا إهدار للقوة.
وليبقى كلامى أكثر وضوحًا حين طالبت المجموعات اليسارية بمطالب واضحة كالافراج عن نشطاء بعينهم “كعلاء عبد الفتاح أو مايكل نبيل” أو عدم الالتجاء إلى محاكم عسكرية لمحاكمة المدنين، كانت النتيجة نجاح هذه المطالب، وهذا هو لُب فكرة الاصلاح، أن يكون هناك مطلب واضح ومحدد دون الدخول فى معارك أكبر من القوة المتاحة ودون التنازل عن المبادئ. ولهذا بالرغم من خلافى فى منطلق الافكار اليسارية إلا أن هذه المطالب كانت تبدو من العدالة والتحديد ما يجعل رفضها أمر صعب.
ولهذا أدعو التيارات التى تؤمن بالحرية الفردية على إختلافها إلى العمل على مطالب محدده وإدراك أنه لا فرق كبير بين دولة شمولية إسلامية ودولة شمولية يسارية، فالاثنين يتفقون بشكل ما أو بأخر فى تحويل الافراد إلى أدوات لدى الدولة وإلى طموح المجد لا الحرية الفردية.
ولهذا فأن تحديد المطالب يبدو سلاح هام فى مواجهة الدولة الشمولية التى ستبدو مع نهار يوم 23 يناير الحالى، وتحديد المطالب لا يعنى النزول عن المبادئ كما يفعل الكثير وعلى رأسهم الدكتور: عمرو حمزاوى، وإنما تحديد المطالب فى كل قضية وإدراك نقاط القوة والضعف والعمل عليها سيجنبنا إهدار القوة خاصة وأن قوتنا من القله ما ينبغى علينا التفكير مليًا فى عدم إهدارها فى قضايا واهمة، وأن القوى الاسلامية لديها تاريخ طويل من العمل الشاق على كافة الاصعدة فهم ما بين الاخوان الاكثر تنطيمًا وبين السلفيين المتغلغلين أيدلوجيًا يمتلكون قوة تزيد عنا أضعاف، ولهذا فأن مناقشة كل تفاصيل المشكلات هى أحد المداخل الهامة التى يمكنها بها إيقاف وتعطيل المشروع الشمولى المصرى حتى نقترب من قوة مكافئة للقوى الاسلامية.
فى تحليل وفهم طبيعة النخبة الليبرالية المصرية (2)
الليبرالية الشكلانية
فى الحلقة الاولى من حلقات ثلاث، أحاول فيها عرض لحضراتكم - قدر المستطاع – تحليل وتوصيف النخبة الليبرالية المصرية، وكبف أنها تتحمل المسؤولية الأولى عن تدهور وضع الحريات الفردية فى مصر نتيجة خطاب أقرب ما يكون إلى سطحية التحليل وإختزال النتائج والآمال فى صندوق إنتخاب.
حمل المقال السابق الشق الاول من تحليل النخبة الليبرالية المصرية والخاص بـ ” مدرسة الليبرالية الوطنية” وهى الاقدم بين نظيراتها من التيارات الليبرالية المصرية، والتى قدمها إلى النور النخبة المصرية فى بدايات القرن المنصرم؛ التحليل السابق والحالى مقتبس من ورقة بحثية لإتحاد الشباب الليبرالي المصرى فى تحليل للتاريخ المصرى الحديث تحت مسمى (المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية)
هذه الحلقة ستتناول الشق الخاص بالليبرالية الشكلانية؛ فقط للتوضيح كتب هذا التحليل خلال عام 2010.
ب – الليبرالية الشكلانية
الشكلانية وصف يطلق على الممارسات والأفكار التي تهتم بالشكل دون المضمون. لذا فإن ما نسميه بالليبرالية الشكلانية يتضمن مجموعة من الحركات السياسية والفكرية التي تستوحي أشكالا غربية تطبيقية لليبرالية، دون أن يكون لديها فهم واضح للأسس الفكرية التي بنيت حولها هذه الأشكال، ودون أن تسعى للتأصيل لها في السياق المصري. وتعود نشأة الليبرالية الشكلانية إلى المؤسسات والوثائق القانونية والاقتصادية التي استخدمتها دول المعسكر الغربي كوسائل للدعاية والضغط في صراعها ضد انتشار الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت بعد الانتصار الليبرالي في الحرب الباردة وفي إطار العولمة إلى ما يشبه دستورًا للعالم أجمع.
بسبب انحياز النخبة السياسية المصرية التاريخي ضد الغرب، والذي يعود إلى الخطاب الليبرالي الوطني كما أسلفنا، لم تظهر الليبرالية الشكلانية في مصر إلا بعد انتهاء الحرب الباردة، حين بدا أنه لم يبق ثمة بديل مقبول عالميا لليبرالية. فالانتصار الساحق لليبرالية الغربية أدى بالكثيرين إلى مراجعة مواقفهم، خاصة في ظل إغواء العولمة وخطاباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة كلية. تدريجيًا، تبلورت في مصر حركتين ليبراليتين شكلانيتين، الأولى، تنطلق من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمؤسسات القائمة عليها، والثانية من أفكار العولمة الاقتصادية والمؤسسات القائمة عليها.
يختزل خطاب الليبرالية الحقوقية الحرية إلى مجموعة من القواعد المجردة، ويغض النظر عن البناء الفكري والأصول التاريخية والمجتمعية لهذه القواعد. أما ليبراليو العولمة الاقتصادية، فهم ينطلقون من مبدأ أولوية الاقتصاد، فيرون أن الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، بغض النظر عن ثمنه السياسي والاجتماعي، سوف يؤدي في النهاية إلى التحول الليبرالي الكامل. وبالرغم من نجاح الليبراليين الحقوقيين في الضغط على النظام السلطوي عن طريق الآليات الدولية، ونجاح ليبراليو العولمة الاقتصادية في تحقيق مؤشرات اقتصادية جيدة بانخراطهم في العمل الحكومي، فإن كلا الخطابين عاجز تمام العجز عن مواجهة أي انتقاد عميق لليبرالية، أو حتى صياغة خطاب مقنع لعموم المصريين، وبالتالي تحقيق أي نجاح شعبي يذكر في ظل هيمنة الشموليين على المجال العام. كذلك فإن كلا التيارين يعتمد تمام الاعتماد على الظروف الدولية التي تتغير تبعا لتوازنات مصالح الدول الكبرى بين الأمن والاقتصاد وعقدة الذنب الكولونيالية.
فى تحليل وفهم طبيعة النخبة الليبرالية المصرية (1)
ثلاثة أجزاء من ورقة بحثية لاتحاد الشباب الليبرالي المصرى
خلال قرأتى لتعليق أحد أصدقائى فى إحدى الصحف الاجنبية بعدما كان السؤال: عن التيارات الليبرالية المصرية، قال إنه لا يمكنه أن يصف كل شيوعي ويساري مصر بأنهم ليبرالين، فمؤخرًا أضحى كل ما هو ليس إسلامى بالضرورة ليبرالي أو هكذا يتم توصيف الامر إعلاميًا.
ولما كان فى ذلك لغط عظيم، كان لابد من توضيح وتوصيف تيارات الليبرالية المصرية وكيف أنها ذاتها أبعد عن أفكار وفلسفات الليبرالية، لهذا ففى هذا المقال وما يتلوه من أجزاء ثلاثة سأقوم بعرض أجزاء من تحليل “إتحاد الشباب الليبرالي المصرى” للتاريخ المصرى الحديث فى إحدى أوراقة البحثية التى تحمل عنوان المسألة المصرية وأصولها .. رؤية ليبرالية كلاسيكية .
قبل البداية، أود أن أعرض لحضارتكم موقف شخصى حدث لى مع صديقيى “صامويل تادرس و عمرو البرجيسى” وهم فى الوقت ذاته أعضاء مجلس إدارة فى “إتحاد الشباب الليبرالي المصري” منذ ما يقارب عامين.
قبل أربعة أعوام، فى حديث بيننا كان سؤالهم الاول، ما الليبرالية؟ كان الرد الذى تكون فى ذهنى آنذاك…
“الليبرالية مش حاجة جامدة .. وهى مش إيدولوجية .. وهى فكرة مرنة لتقبل أى شيئ .. وهى طبعًا أنك تعمل كل اللى انت عاوزة ما غير ما تتدخل فى حرية الاخرين .. وكان المثال الاشهر ببالى آنذاك حريتك تقف عند حريات الاخرين وبمعنى أخر حريتك تتوقف عند أنفى”
كان سؤالهم التالى: تعرف إيه هى الرأسمالية؟
جاء ردى: الرأسمالية هى السوق الحر، وهى أحسن من الاشتراكية وكمان أحسن من الشيوعية، وهى أحسن علشان مبيكونش فى بيرقراطية.
وأضفت ايضًا: كمان حقوق الانسان، الليبرالية بتدافع عن حقوق الانسان، وعن حرية الرأى والتعبير والحرية الدينية والمساواة وكمان أنه الدين ميدخلش فى السياسية … وأن الدين لله والوطن للجميع .. وكمان شوف الغرب متقدم علشان هو ليبرالي .. وكمان الليبرالية هى العلمانية أو يعنى الاتنين حاجة قريبة من بعض.
إنتهى..
بعد هذا الاجتماع تبين لى أن ما أقول أنى مؤمن به لا أعلم عنه شيئًا فكان واضحًا أن تعريفى لنفسى وأفكارى هو تعريف سلبى، بمعنى أنى أدرك ما لا أريدة ولكنى لا أدرك ما أريده.
منذ ذلك اليوم وأنا فى عمل دائم لفهم طبيعة الليبرالية، وأنا على يقين أن محاولات الفهم لن تنتهى وهو بناء لا يتوقف.
بين فترة واخرى يأتى أفراد يرغبون فى الانضمام إلى الاتحاد، وحين أسمعهم أدرك حجم المأساة التى تتسبب فيها النخبة الليبرالية المصرية فى تحديدها لطبيعة ومفهوم الليبرالية.
وفيما يلى سأعرض لحضراتكم الشق الاول وهو جزء من القراة التاريخية لتيار الليبرالية الوطنية والمقتبس من ورقة بحثية خاصة بإتحاد الشباب الليبرالي المصرى، تحت إسم (المسألة المصرية وأصولها … رؤية ليبرالية كلاسيكية)
أولا: الليبرالية الوطنية – القومية
لم ينشأ مفهوم الأمة المصرية بدوره بشكل طبيعي، بوصفه نتاجا لنمو الشعور القومي كما جرى في أوروبا أعقاب الحروب النابوليونية مثلا، وإنما جاء اختراعًا بورجوازيًا خالصًا. فأولا، طرح الليبراليون الوطنيون فكرة سيادة الأمة في مواجهة غير المصريين، وبالتالي طرحوا أنفسهم كممثلي الأمة في مواجهة الانجليز، في الوقت الذي كان فيه معظم المصريين لا يلقون بالا للانجليز أو لا يعرفون بوجودهم من الأصل، وفي ظل فصام منهجي في علاقة الليبرالية الوطنية بالغرب، الذي هو الأستاذ والنموذج الليبرالي الحداثي من جهة، والعدو الذي يجب التخلص منه من جهة أخرى. وثانيا، طرحوا فكرة سيادة الأمة في مواجهة الحكومة، وهو مفهوم قريب من مبدأ السيادة الشعبية المختلف عليه في الطرح الليبرالي الكلاسيكي، وإن اختلف عنه في أن الأمة المصرية، كما يطرحها الخطاب الليبرالي الوطني، لا تتشكل من مجموع المصريين، الذين كان معظمهم من الفلاحين الأميين في فترة نشأة المفهوم، لذا فهم – في نظر البورجوازيين – عاجزون عن تقرير مصالحهم بأنفسهم، وبالتالي فالليبراليون الوطنيون وحدهم هم القادرون على تقرير مصلحة الأمة والاضطلاع بمهام الحكم. ومن ثم فثالثا، قدم الليبراليون الوطنيون مفهوم الوحدة الوطنية الذي يقسم الأمة إلى عناصر (أديان – طبقات) تتحالف معًا لتحقيق مصلحة واحدة غير متمايزة وغير محددة، الأمر الذي يضمن الشعبية الجارفة للتيار الليبرالي الوطني بين الأفراد المكونين لهذه العناصر عن طريق ضمان تأييد قادتها، ودون الحاجة لتوجيه خطاب سياسي خلافي يحقق مصالح بعض الأفراد في مواجهة البعض الآخر.
بالرغم من الثمار التي جنتها البورجوازية المصرية في ظل النجاح الاقتصادي الساحق والانفتاح السياسي المحدود تحت حكم كرومر، اجتمعت العجرفة الانجليزية المفرطة وفشل خلفاء كرومر في الاستمرار على نفس النهج ثم ظروف الحرب العالمية الأولى لتجعل من التيار المتحالف مع الانجليز تيارًا هامشيًا. أما تيار الخلافة الإسلامية، فقد انزوى تدريجيا بعد وفاة مصطفى كامل ثم انهار تمامًا بسقوط الخلافة وتفكك الدولة العثمانية بعد الحرب. لم يبق إلا تيار الاستقلال التام، الذي نجح في استغلال ظروف ما بعد الحرب لتحقيق شعبية جارفة، ليصل بعد ثورة 1919 وسلسلة من الصراعات والمفاوضات مع الانجليز إلى تحقيق استقلال مصر (مع تحفظات انجليزية شهيرة)، ثم – وبعد خلافات عدة بين الليبراليين الوطنيين – إلى صياغة دستور ليبرالي عرف بدستور 1923، والذي استهل فترة من الحكم النيابي عرفت فيما بعد بالحقبة الليبرالية، والتي، بالرغم من العديد من الانقطاعات والتدخلات من جانب القصر أو الانجليز، استمرت بنجاح حتى يوليو 1952.
بالرغم من النجاح النسبي الذي حققه التيار الليبرالي الوطني، خاصة فيما يتعلق بسؤال الاحتلال الانجليزي الذي انتهى تقريبا بتوقيع المعاهدة المصرية الإنجليزية عام 1936، لم يتحرك الخطاب الليبرالي الوطني قيد أنملة، بين الفصام في علاقته بالغرب والإصرار على فكرة المصلحة الواحدة للأمة التي يحتكر الليبراليون الوطنيون معرفتها وتحقيقها. وفي ظل التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مصر في أنجح مراحل تحولها إلى الحداثة، ظهرت بورجوازية جديدة درج المؤخون على تسميتها بالأفندية الجدد. جاءت نشأة الأفندية الجدد، على العكس من أسلافهم، بمعزل تام عن التأثير الغربي، ومن ثم – وفي ظل الخطاب السائد – تحولت علاقتهم بالليبرالية من علاقة فصامية إلى عداء صرف، ليشكلوا نواة المشروع الشمولي المصري ويحملوا لواءه حتى انتصاره الدامغ في 1952، في ظل رضوخ ليبرالي تام للخطاب الشمولي الجديد، بحثا عن شعبية 1919 الجارفة دون جدوى.
اختفت الليبرالية الوطنية تحت وطأة القمع الناصري إلى أن فتح السادات الباب لعودتها بتوجهه الاقتصادي الانفتاحي، وابتعاده عن الاتحاد السوفييتي، وسماحه بالتنظيمات الحزبية وبمساحة من الحرية الصحفية والأكاديمية. عادت الليبرالية الوطنية لتحقق نجاحا لا بأس به على المستويين النخبوي (الصحافة، التأريخ) والشعبي (حزب الوفد الجديد)، لكنها أصرت على اجترار خطابها التقليدي، وأمام عجزها التام عن مراجعة هذا الخطاب وتقديم تفسير مقبول لفشلها الذريع وتحمل مسئوليتها التاريخية، أضافت حجة جديدة إلى خطابها فحواها أن ما جرى في مصر منذ 1952 هو “تدهور غير مفسر” على كافة المستويات، الأمر الذي انتهى بها إلى الفشل الجماهيري مرة أخرى. فأولا، لا ترى الأغلبية الكاسحة من المصريين التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جاء بها نظام يوليو تدهورًا، خاصة في ظل إحالات الليبراليين الوطنيين إلى ماض مفعم بالتنوع الديني والعرقي والمدنية والثقافة في وقت كان جل المصريين فيه لا يعرفون القراءة والكتابة ويعيشون في قراهم في فقر مدقع دون أن يخرجوا منها ولو مرة في حياتهم. وثانيًا، حتى إذا أراد الليبراليون الوطنيون افتراض التدهور، فإن هذا لن يكون ممكنا إلا بالاضطلاع بمسئوليتهم التاريخية بوصفهم السبب الرئيسي في نشأة المشروع الشمولي المصري، بما يترتب على ذلك من مراجعة الأساس الفكري لخطابهم السياسي، وبما يتضمن إعادة النظر في فهمهم للعلاقة مع الغرب وإسقاط المفاهيم الفصامية من نوعية “استقلال الإرادة الوطنية” أو “الرأسمالية الوطنية”، ثم، وهو الأهم، التأسيس لخطاب سياسي يعترف بتنوع مصالح المصريين وتعدد خلفياتهم، مع شطب مفهوم الأمة الواحدة أحادية المصلحة من معاجمهم إلى الأبد.
أكذوبة اليسار
فى الدفاع عن المستضعفين
أن تشعر أكثر بمعاناة البشر وتميل إلى الفقراء وتساعد المستضعفين وتقف ضد الطغاة المستغلين أصحاب النفوذ والمال، أن تدافع عن حقوق الإنسان والأقليات وتضمن للعمال حقوقهم ضد من يستعبدونهم، أن تقف مع المرأة ضد إستغلال الرجال، أن تتخلص من طبقتك كى تذوب مع الطبقات الأقل وتتعامل معهم بإدراك واع أنه لا فروق بينك وبينهم وأنك أحدهم، أن تشعر بالنقمة على الملكية الخاصة، أن ترى فى مؤسسة الزواج والعائلة والعلاقات الانسانية سلطة تتحكم فى حياتك وحريتك الفردية ويجب زاوالها.
بهذه الخطوات يمكنك أن تكون يسارى، يملؤك الفخر والشجاعة ناظرًا إلى الاخرين على أنهم مجموعة جبناء لا يمكنهم الوقوف مثلك أمام تاريخ البشر الطويل من الإستغلال والجشع وأنهم يفتقرون لأبسط المشاعر البشرية وأن الانانية محور حياتهم.
إعتاد اليسار – على إختلافه – إحتكار صورة المدافع عن الناس عامة والمستضعفين خاصة، وأضحت اليسارية شرط وجوب لمن يريد الدفاع عن البشر وهو أمر راسخ كجبل بألباب أبناء جيلى إلا من رحم ربى، حتى أن أحدهم ذكرت لى ذات مرة “علشان الواحد يدافع عن الناس لازم يبقى يسارى”.
فى غرفة محكمة جنوب القاهرة أو “باب الخلق” كما إعتاد المحامون ذكرها، كان حديث دائر بين العديد من المحامين من مختلف العمر، يسار معظمهم، كانت المرة الاولى الذى أقدم فيها على عمل تطوعى بصفة محام – تم ذلك لإسباب عدة لا محل هاهنا لذكرها – كانت لدى لحية خفيفة، فأعتقد الغالبية العظمى من السادة المحامون أننى من الإخوان وتعامل معى اليسارين منهم على ذلك وذكر أحدهم موجهًا حديثه إلي “يا أستاذ الزملا برة بيسألوا عليك” فكان ردى “مين” فقال “محامين الاخوان” فكان ردى بإبتسامة “أنا مش إخوان”.
ساد الصمت لبرهة غرفة المحامون حين ذكرت ” أنا ليبرالي” تبادل الجميع النظر وتجنبنى الكثير، وعبر أحدهم عن كيف أكون ليبرالي وأتطوع فى شيئ كهذا فأنتم بعيدين عن هذه الافعال بعد المياة عن ظمأى نهار الصحراء.
ناهيك عما فى ذلك من مغالطات تاريخية وفكرية وواقعية لنتائج فلسفات الليبرالية على حياة الافراد بشكل عام والمستضعفين بشكل خاص، ونكران عن وعى أو دونه لتاريخ دموى تم ولازال تحت مسمى العدالة الذى يردد على أنه معطى غير قابل للنقاش، ويهدف يسارى وطنى إلى تحقيقه مرتأين فيه الوسيلة المثلى للدفاع عن المستضعفين.
يكمن الفرق بين الليبرالية الكلاسيكية واليسار على إختلافه فى أمور عدة، أهمها المسؤولية، فالاولى تفرض على الافراد مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وتجاه الاخرين بشكل طوعى –إلا ما يدخل فى إطار عمل الدولة-، أما محور فلسفة اليسار هو التخلى عن كل المسؤولية للدولة، حيث أنها ستنظم المجتمع والافراد بشكل قسرى من خلال رؤية مسبقة، يبقى فيها على كل الافراد المستضعفين ودونهم أن يدخلوا فى هذا الاطار وليس لطموحهم الفردى مجال، حيث إنه إما يفسر على أنه أنانية أو رفاهية نحن فى غنى عنها، تنتهى حياة الافراد فى دول كهذه بتحول البشر إلى آلات لتحقيق أحلام منظمى الدولة وليس لاحلام المستضعفين أو دونهم مجال، ومعها يبدو جليًا الاكذوبة التى يحيا عليها اليسار من كونه مدافع عن المستضعفين.


