Skip to content
27
Jan

قضية دعم الطاقة

كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف صباحًا، كنت نائمًا كالعادة، وجاء صوت صراخ قاطعًا هدوء الصباح، فما كان منى إلا أن هرعت نحو الشرفة بدقات قلب سريعة وعينين مفتوحتين، محاولا التعرف عما يدور بالشارع، رأيت رجلين ممسكًا كل منهم بالاخر وفى حالة عراك، أحدهم كان يغطى وجهه الدماء، صراخ النساء وسباب الرجال كان يتعالى، تأسفت لحالهم ولم أستطع أن أفعل المزيد. دخلت مرة أخرى لغرفتى محاولا الامساك بطرف النوم ولكنه كعادة هذه الايام يهرب دون عوده.

بعدها بساعات سألت أختى لماذا كان هذا العراك، كان ردها لى “ده كان علشان طابور العيش”. تختلف المواقف كلية حين تقرأ عنها فى الصحف وحين تحياها، فحين تحياها تتعدى كونها مجرد كلمات وسطور فى جريدة وإنما تبقى عالقة فى الذاكرة بصورتها كما هى لا تتحرك.(كان هذا الموقف فى صيف عام 2009) عاد هذا المشهد إلى ذهنى مع الاخبار العديدة التى يتم نقلها حول معارك تتم للحصول على أنبايب البوتاجاز أو صور للسيارات المتوقفة بالساعات أمام محطات الوقود.

يبدو منطقيًا لمن هم فى مثل حالتى الانضمام المباشر لصفوف المطالبين بسياسات زيادة الدعم ولوم الدولة على عدم توفيرها لخبز كاف، وأن دماء الرجل التى أسيلت أو ربما حياته التى كانت قرب قوسين أو أدنى من الانتهاء تمت بسبب تقاعس الدولة عن عدم توفير ما يلزم من حياة كريمة للمواطنين، وأن أرى فى أطروحات الاقتصاد الموجه الذى تقدمها النخب المصرية – على إختلافها – مخرج للحفاظ على حياة القطاعات الافقر فى المجتمع.

بينما يبدو إختيار الايمان بأفكار الرأسمالية بعيد تماما عما عايشته، خاصة فى ظل خطاب عام يرحب بتدخل الدولة فى كافة نواحى الحياة، وتجذر السخط على أفكار السوق الحر فى ظل غموض يكتنفها وسوء تفسير يُقدم لها، والذى يتمثل أفضلها فى “التيار الليبرالي المصرى” الذى يرى أن الرأسمالية نوعين، أحدهما حميد وهى الرأسمالية الوطنية والاخر خبيث وهى الرأسمالية الغربية.

ولما كان ذلك غريب للمقربين منى، فكانت الازمة الحالية للطاقة فرصة طيبة للحديث حول كيف أننى أجد فى الرأسمالية حل منطقى لمشاكل الفقر وخروج من سيطرة السياسين على حياة الافراد وإعطاء الافراد أكبر مساحة من الحرية الفردية.

لنقل أن الرجلين المتعاركين هما ” أحمد السباك” والاخر “محمود الجناينى”. أحمد يتقاضى أجره باليومية ولا ينتظم فيه نتيجه طبيعته وإيضا لحالة المعمار التى تتحرك ببطئ مما أثر على دخله بشكل سلبى، أما محمود فبحكم عمله لا يوجد لديه يومية وإنما حسب العمل المطلوب منه ومؤخرًا تقلص حجم المتعاملين معه بعد إقتناع عدد منهم أن الاستهلاك شيئ معيب ويجب التخلص منه، وأن على الناس الاستهلاك فى أضيق الحدود وفى الامور الرئيسية للحياة وبالطبع لم يكن التشجير شيئ منها. دفعتهم حالة كل منهم إلى هذا العراك.

المطالبين بزيادة الدعم، يتلخص موقفهم فى أن على الدولة توفير دعم أكبر لما تحتاجه هذه الطبقة، وفى هذا الطريق على الدولة أن تحصل مبالغ أكبر من الاغنياء لصالح هذه القضايا. يبدو ذلك غاية فى العدل، ولا ضرر منه على الاطلاق، ولكن فى الواقع هناك من المشاكل التى تسببها سياسات الدعم ما ينتهى بها إلى أضرار للفئات المستفيدة ودونها من فئات أخرى.

فى حالة الدعم، ولان الدولة لا يمكنها أن توفر النقود المطلوبة للدعم إلا من خلال المواطنين، فذلك يعنى بالضرورة أن عليها فرض ضرائب اعلى، مما يعنى أمر من إثنين إما زيادة فى نسبة البطالة أو زيادة فى الاسعار وفى الحالتين سيكون أكبر المتضررين هم القطاعات الافقر، ولكن الحديث عن نسب الضرائب العليا حديث غير.

رجوعًا إلى توضيح الضرر من سياسات الدعم، حين تقوم الدولة بدعم منتج ما، فهذا يعنى التدخل فى أليه تسعيره، مما يعنى ذلك ثلاثة أمور:

أولا: زيادة فى نسبة إستهلاك الموراد الطبيعية، ففى حالة أحمد ومحمود السابق ذكرهما، فإذا كان سعر الخبز هو جنيه واحد طبقًا لسعر السوق، وقامت الدولة بدعمه ليبقى خمسون قرشًا، سيزيد ذلك من نسبة إستهلاكه من قطاعات أكبر لرخص ثمنه، أو لاستخدامه كعلف للحيوانات، أو لبيع الدقيق فى السوق السوداء لان أصحاب المخابز سيحصلون على فائدة أكبر أو إذا كان المخبز حكومى سيستفيد القائم على إدراته بدخل مادى أكبر، وهذا كله سيعنى بالضرورة إلى إستهلاك وإهدار الموارد الطبيعية. وعدم توافر الخبز إلى الفئات المستهدفة.

ثانيا: التأثير على الصناعات المرتبطة، فى حالة ذهاب عدد من صغار التجار إلى إستبدال علف الحيوانات بالخبز، نتيجة رخص ثمنه عن العلف، سيؤدى هذا بتجار العلف إلى رفع الاسعار لتعويض الخسائر من الاستهلاك القليل، مما سيجعل تكلفة تربية الدواجن على التجار الكبار أعلى وسيعنى ذلك إرتفاع أسعار الدواجن على الموطنين مما سيؤدى بالضرورة لإرتفاع سعرها على الفئات التى إستهدفها الدعم فى بادئ الامر.

ثالثا: زيادة فى حجم الدولة، فى حالة ذهاب أصحاب المخابز والعاملين فى الدولة إلى بيع الدقيق فى السوق السوداء، ستضطر الدولة إلى التعامل مع هذه المشكلة، عن طريق محاولة وضع مراقبين أكثر على عملية توزيع وإنتاج الخبز، مما سيؤدى إلى إرتفاع مصاريف الدولة وسيؤدى هذا بالطبيعة إلى فرض مزيد من الضرائب وسيعود هذا بنا إلى زيادة فى الاسعار أو زيادة فى البطالة.

على الجانب الاخر تقدم سياسات الرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية على السواء فى هذا الشأن، أمرين:

أولا: ضمان المنافسة بين أصحاب المخابز ومنتجى الخبز مما سيعنى بالضرورة، زيادة نسبة طلب العمل على “أحمد” و “محمود” لعملهم فى بناء المخابز أو منازل أصحابها او العاملين بها أو دون ذلك من الاعمال مما سيرفع من دخلهم وسيؤدى ذلك إلى ضمان حصولهم على نسب الخبز التى يحتاجونها، وسيؤدى هذا بمنتجى الخبز إلى تقديم أنواع مختلفة من الخبز بأسعار تناسب جميع الفئات الغنى والفقير على السواء وسيرفع ذلك نسبة الضرائب نتيجة زيادة نسبة الاعمال وتقليل نسب البطالة نتيجة زيادة نسبة المخابز التى ستتنافس لتوفير خدمة الخبز للمواطنين. ويكون دور الدولة الوحيد هو ضمان عدم وجود أى ممارسات إحتكارية.

ثانيا: العمل الفردى والطوعى لمساعدة الفئات الغير قادرة، بمعنى أوضح، تنطلق الليبرالية الكلاسيكية من أن على الافراد تحمل المسؤولية طوعًا لا قسرًا، وأن كل محاولات دفع الافراد إلى تحمل المسؤولية بشكل قسرى يؤدى إلى نتيجة عكسية، وفى هذا الشأن يبقى على الافراد المهتمين إقناع أكبر قدر من المواطنين بالمساهمة فى رفع معناة الاخرين سواء فى الخبز أو غيره من المشكلات، ومع إرتفاع دخل الافراد نتيجة زيادة أعمالهم والتوسع فيها سينعكس ذلك على نسبة المتبرعين وزيادة نسبهم.

إن الحالة الاولى نتائجها واضحة، سواء فى الواقع أو التاريخ أو النظرية ذاتها، والحالة الثانية بالمثل.

ختامًا سيبقى هناك فقراء وسيعانى الكثير من البشر مادامت البشرية على سطح البسيطة، يبقى همنا الاكبر هو تقليل مساحة المعاناة، لانها لن تلغى.

25
Jan

الثمن

by Amr Bargisi

”هب أن جلبة هائلة نشبت في الشارع حول أمر ما، وليكن عمودًا للإنارة يبتغي جمع من أصحاب النفوذ إزالته. يُسأل في الأمر راهب متسربل باللون الرمادي يحمل روح العصر الوسيط، فإذا هو يقول – بأسلوب الأكاديميين الجاف: ”لننظر بادئ ذي بدء، يا إخوان، في قيمة النور، إذا ما كان النور في ذاته حسنا—“ عندها يطرحه الجمع أرضًا، مبدين شيئا من الاعتذار، فيما يهرع الناس تجاه عمود الإنارة، ليسقطوه في غضون دقائق عشر، ثم يمضون مهنئين بعضهم البعض على واقعيتهم التي لا تمت بصلة للعصر الوسيط. لكن بمرور الوقت، لا تمضي الأمور بذات السهولة. فمن الناس من أسقط عمود الإنارة لأنه يريد المصباح الكهربي، ومنهم من أراد حديد الخردة، ومنهم من أراد الظلمة لأنهم يعملون السوء. منهم من حسب عمود الإنارة أقل من كاف، ومنهم من ظنه أكثر من اللازم، منهم من أراد تحطيم أملاك البلدية، ومنهم من أراد تحطيم شيء ما. لذا، فتدريجيًا وحتميا، اليوم وغدًا وبعد غد، تعود إلى الناس القناعة بأن الراهب كان محقا في النهاية، وأن الأمر برمته يقوم على فلسفة النور. فقط، ما كان بإمكاننا أن نناقش تحت ضوء المصباح، لابد وأن نناقشه الآن في الظلام“

جي كاي تشسترتن – الهراطقة (ترجمة المدون)

“Suppose that a great commotion arises in the street about something, let us say a lamp-post, which many influential persons desire to pull down. A grey-clad monk, who is the spirit of the Middle Ages, is approached upon the matter, and begins to say, in the arid manner of the Schoolmen, “Let us first of all consider, my brethren, the value of Light. If Light be in itself good—” At this point he is somewhat excusably knocked down. All the people make a rush for the lamp-post, the lamp-post is down in ten minutes, and they go about congratulating each other on their unmedieval practicality. But as things go on they do not work out so easily. Some people have pulled the lamp-post down because they wanted the electric light; some because they wanted old iron; some because they wanted darkness, because their deeds were evil. Some thought it not enough of a lamp-post, some too much; some acted because they wanted to smash municipal machinery; some because they wanted to smash something. And there is war in the night, no man knowing whom he strikes. So, gradually and inevitably, to-day, to-morrow, or the next day, there comes back the conviction that the monk was right after all, and that all depends on what is the philosophy of Light. Only what we might have discussed under the gas-lamp, we now must discuss in the dark.”

G.K. Chesterton – Heretics

22
Jan

عام على الثورة المصرية

خلال الايام القادمة سيمر عام على أحداث الخامس والعشرون من يناير، وما بين عام من النضال الثورى أفضى إلى برلمان بأغلبية شمولية ودولة على شفى الانهيار الاقتصادى، وبين خطاب لا يحمل إلا كلمات جوفاء دفع مئات الارواح إلى حتفها بوعود الخير المطلق. يأتى العام الجديد بآمال لم تتحقق حاملًا شعار “الثورة مستمرة” وبالرغم من كون العام الماضى كان إثبات جلى أن أغلبية المصريين لا يهتمون بالشأن العام -كغيرهم من البشر- وإن أهتموا فليست الثورة أول هذه الاهتمامات. فبين إستفتاء حصلت فيه القوى الثورية على ما يقارب العشرون بالمئة وإنتخابات كانت قوائم الثورة تحتل مؤخرة النتائج حتى فى أفضل الدوائر على الاطلاق، وأحزاب ثورية يمثلها أقطاب إعلامية، كحزب الدكتور: شادى الغزالى حرب، الذى لم يحصل إلا على يربو من (ثمانية عشر الف صوتًا) وقائمة الثورة مستمرة التى لم تحصل إلا على (أثنين ونصف بالمئة) من إجمالى الاصوات الصحيحة.

ظهر شعار “الثورة مستمرة” مجسدًا إدراك الثوار أن الثورة وأحلامها قد ولت، وأعتلى قمتها أصحاب القامات العليا سواء المؤسسة العسكرية أو الاسلاميين، فسر الثوار هذه النتيجة الغير متوقعة – بالنسبة لهم – على أنها إما ثورة مضادة أو خيانه لدماء الشهداء أو جهل ناخبين أو أن أمثالى ممن لم يساندوا الثورة أفسحوا المجال لسيطرة الاسلاميين، أو دونها من الاسباب التى ليس من بينها أن الثورة نفسها كانت فكرة خاطئة. لم ولن يُحمل الثوار أنفسهم مسؤوليه مساوئ العام الماضى من فقدان أرواح ومصادر رزق لكثير من المصريين، وإنما لخص أقطاب اليسار العام الماضى فى أن الانتخابات الاخيرة أثبتت أن بمصر ما يقارب 800 ألف تقدمى، وأن الثورة أصبح يؤمن بها ما يربو على مليون مصرى (فى إشارة لنسبة أصوات قائمة الثورة مستمرة) ولما كان هذا حديث غافل وإمساك بوهم وإعادة إنتاج خطاب نعيش نتاجه يوميًا، كان أبلغ رد على وجهات النظر هذه هى كلمات الحلاج “وهم لا يبصرون من العماء”.

إن ما أدعو إليه فى هذا المقال أمرين; اولهما: هو إدراك أن طريق الثورة لم يكن الطريق الاسلم، وأن الافضل هو إدراك الخطأ من التمادى فيه، ثانيا: تحديد المطالب دون الدخول فى معارك وهمية من نوعية حكم العسكر أو هدم الدولة بالكامل أو دونها من المعارك التى لا تقدم إلا إهدار للقوة.

وليبقى كلامى أكثر وضوحًا حين طالبت المجموعات اليسارية بمطالب واضحة كالافراج عن نشطاء بعينهم “كعلاء عبد الفتاح أو مايكل نبيل” أو عدم الالتجاء إلى محاكم عسكرية لمحاكمة المدنين، كانت النتيجة نجاح هذه المطالب، وهذا هو لُب فكرة الاصلاح، أن يكون هناك مطلب واضح ومحدد دون الدخول فى معارك أكبر من القوة المتاحة ودون التنازل عن المبادئ. ولهذا بالرغم من خلافى فى منطلق الافكار اليسارية إلا أن هذه المطالب كانت تبدو من العدالة والتحديد ما يجعل رفضها أمر صعب.

ولهذا أدعو التيارات التى تؤمن بالحرية الفردية على إختلافها إلى العمل على مطالب محدده وإدراك أنه لا فرق كبير بين دولة شمولية إسلامية ودولة شمولية يسارية، فالاثنين يتفقون بشكل ما أو بأخر فى تحويل الافراد إلى أدوات لدى الدولة وإلى طموح المجد لا الحرية الفردية.

ولهذا فأن تحديد المطالب يبدو سلاح هام فى مواجهة الدولة الشمولية التى ستبدو مع نهار يوم 23 يناير الحالى، وتحديد المطالب لا يعنى النزول عن المبادئ كما يفعل الكثير وعلى رأسهم الدكتور: عمرو حمزاوى، وإنما تحديد المطالب فى كل قضية وإدراك نقاط القوة والضعف والعمل عليها سيجنبنا إهدار القوة خاصة وأن قوتنا من القله ما ينبغى علينا التفكير مليًا فى عدم إهدارها فى قضايا واهمة، وأن القوى الاسلامية لديها تاريخ طويل من العمل الشاق على كافة الاصعدة فهم ما بين الاخوان الاكثر تنطيمًا وبين السلفيين المتغلغلين أيدلوجيًا يمتلكون قوة تزيد عنا أضعاف، ولهذا فأن مناقشة كل تفاصيل المشكلات هى أحد المداخل الهامة التى يمكنها بها إيقاف وتعطيل المشروع الشمولى المصرى حتى نقترب من قوة مكافئة للقوى الاسلامية.

25
Dec

منذ يومين، خفضت ”موديز“ التصنيف الائتماني للسندات الحكومية المصرية للمرة الرابعة على التوالي هذا العام. هذه العبارة تبدو وكأنها ”حاجة وحشة“ (كالإسلاميين بالضبط) لكن فهم مكمن ”الوحاشة“ فيها أقل أهمية من أن يدرج على جدول أعمال السيرك القومي المنصوب على ناصية النقاش العام في مصر. لا عجب: فالنخب الليبرالية المهووسة بشبكات التواصل الاجتماعي على الأجهزة الرقمية، لم تزل تقبع في عصور ما قبل الأرقام، وهو ما لم يعد معقولا ولا مقبولا. في وقت تكرَّس فيه مئات الصفحات والساعات التلفزيونية للحديث عن الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى في التحرير أو العباسية، تقترب الدولة المصرية من كارثة اقتصادية محققة، فيما قد يعني أن تغدو مصر ”صومالا على النيل“ – على حد تعبير معلق غربي – في أسوأ الاحتمالات، أو إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بالكامل لمصلحة الإسلاميين في أحسنها.

اليوم تخرج علينا المصري اليوم بخبر هذا مستهله:

كشف مصدر مسؤول بوزارة التخطيط والتعاون الدولى، أن صندوق النقد وضع اشتراطات لمنح مصر قرضا بنحو ٣.٢ مليار دولار، تضمنت رفع الدعم عن البنزين والكهرباء. وقال المصدر لـ”المصرى اليوم“ إن بعثة صندوق النقد الدولى التى غادرت القاهرة فى ٦ نوفمبر الماضى، لاتزال تنتظر الرد بقبول هذه الاشتراطات.

لنغض الطرف عن أن الحكومة المصرية، إن صح الخبر، تعرف بهذه الشروط منذ 6 نوفمبر دون أن تعلنها، إنما علينا أن ننتبه لأننا – ودون مبالغة – بصدد التحول الأهم على الإطلاق في مسار الأحداث منذ نزول مبارك عن الحكم. مربط الفرس هاهنا ليس التغير في موقف الصندوق ودلالة هذا التغير، وإنما سقوط المسلمة الرئيسية التي يركن إليها العلمانيون المصريون، الثوريون منهم وغير الثوريين، عن وعي أو غير وعي: أن المسألة الاقتصادية تنحصر في تعويض الخسائر الناجمة عن الاضطراب السياسي في العام المنصرم، وأننا، بعد الاقتراض والمساعدات الدولية، سرعان ما سنعود إلى نقطة الصفر (ما قبل  25 يناير) لنبدأ الحركة من هناك.

الخلل الرئيسي في هذه المسلمة مرده العجز عن فهم التحول الجذري في السياسة المالية المصرية في عهد حكومة نظيف. في السنة المالية 2003، كانت القيمة الكلية للدعم 7 مليار جنيه تقريبا، بما يساوي 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي و5.1% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة بنسبة 10.4% من الناتج المحلي الإجمالي. في السنة المالية 2008، أصبحت القيمة الكلية للدعم 84.2 مليار جنيه بما يوازي 9.4% من الناتج المجلي الإجمالي (أي ما يربو على 5 أضعاف) ، وحوالي 30% من مجمل الإنفاق الحكومي، في ظل عجز موازنة 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي (أقل بما يزيد عن الـ3%). هذه الأرقام لا تعني فقط أداءً اقتصاديًا استثنائيا يتجاوز تغطية الزيادة المهولة في الإنفاق العام إلى خفض نسبة العجز من حد الانهيار إلى مستوى أكثر من مقبول، بل أيضا تحول نمط الدولة المصرية نفسه من دولة عالم ثالث يتهددها الإفلاس كل بضعة أعوام، إلى دولة استحقاق – ولا أقول دولة رفاه – متزنة محاسبيا، يقترب فيها الإنفاق على الدعم والخدمات الاجتماعية من ثلث الإنفاق العام.

المشكلة الرئيسية لهذا النمط، والتي بح صوت الاقتصاديين في بيانها منذ اختراع دولة الرفاه، أنه معلق في رقبة الاستقرار الاقتصادي، بحيث يؤدي أي تغير ديموغرافي أو اقتصادي جدي بما يزيد النفقات أو يقلص الموارد إلى انهيار النموذج بالكامل. في الحالة المصرية، أدى تراجع النشاط الاقتصادي إلى تقلص عائدات الضرائب ومن ثم إلى تفاقم عجز الموازنة، وهو ما سيضطر الحكومة لزيادة الضرائب أو الاقتراض أو كليهما معا. فأما زيادة الضرائب  فتعني إضعاف فرص الاستثمار، وبالتالي تقليص العوائد الضريبية المستقبلية، أي زيادة عجز الموازنة مستقبلا بما يؤجل المشكلة دون أن يحلها. وهنا يكون على الحكومة أن تختار بين الاقتراض المحلي والاقتراض الأجنبي. فأما الاقتراض المحلي، فمعناه مزاحمة crowding out القطاع الخاص على سوق الائتمان المحلي، بما يعني تقليل فرص المستثمرين في الاقتراض، وهكذا وصولا إلى نفس النتيجة السابقة. هذا بالإضافة إلى أن تكلفة الاقتراض المحلي (سعر الفائدة) مرتفعة للغاية، وهو ما سيزيد من المصروفات المستقبلية وبالتالي يفاقم عجز الموازنة. وأما الاقتراض الأجنبي، فهو رهين تقييم المقرض لحالة الاقتصاد القائمة، وكلما ساء التقييم قيدت القروض بشروط يفرضها المقرض حسب مصلحته الاقتصادية أو السياسية. فإذا ما كان المقرض كيانا مؤسسيًا غربيًا، يكون تقييمه على أساس التصنيف الائتماني، وتكون شروطه اجراءات تقشفية لخفض الإنفاق العام، وتحديدًا الإنفاق الاجتماعي، كما هو حال اليونان مع الاتحاد الأوروبي، أو حالنا مع صندوق النقد.

إذا ما استبعدنا التهاويم الاشتراكية من قبل التأميم والمصادرة، يبقى أمامنا أحد اختيارين، إما تفكيك نموذج دولة الاستحقاق بالكامل، أي رفع الدعم بوسيلة أو أخرى، أو العثور على مقرض غير غربي بشروط أخرى. الاختيار الأول، مع إيماني بسلامته النظرية، كارثي. فبغض النظر عن دعم الخبز، وهو هامشي على أي حال، فمن يقدر على إقناع المصريين (بعد ثورة العدالة الاجتماعية) أن يشتروا لتر البنزين أو السولار بسعر يتراوح بين أربعة وسبعة جنيهات (هذا إن صمد الجنيه عند سعره القائم في مواجهة الدولار، أو لم يرتفع سعر خام النفط لأي سبب كان)؟ ارتفاع أسعار النقل سيؤدي إلى زيادة مهولة في أسعار كافة السلع، وقد نسقط في فخ الكساد التضخمي بانهيار الطلب المحلي مع ارتفاع الأسعار، هذا إن لم ننحدر إلى الفوضى الكاملة إن قرر المصريون الاحتجاج.

أما الاختيار الثاني فكارثي أيضًا، فهو يعني أولا الإبقاء على نمط الإنفاق العام القائم لينفجر آجلا، وثانيا، وهو الأهم، فيعني خروج مصر عن المنظومة الاقتصادية العالمية لمصلحة الإسلاميين. بشكل أكثر وضوحا، إذا ما نجح الإسلاميون في دفع صانع القرار لتدبير الخمسة عشر مليارًا المطلوبة لإنقاذ الموقف من مصادر غير غربية،  ستغدو مهمتهم في السيطرة على الاقتصاد أكثر سهولة بكثير، خاصة إذا ما نجحوا في توفير ما يكفي من الاستثمارات الخليجية أو التركية أو حتى الصينية لاحقا. وهنا يتلاشى أمل الليبراليين في دور مزعوم للمجتمع الدولي في التصدي لتحول كامل نحو شمولية إسلامية (وهو، أي هذا الأمل، ما استدركه علي تدوينتي الأخيرة معلق كريم).

الحل الوحيد هو الضغط على الصندوق وغيره من المانحين الغربيين باتجاه التجاوز عن أي شروط عاجلة، مع السعي حثيثا للوصول إلى حل لرفع الدعم على المدى المتوسط أو البعيد. كذلك يجب الضغط على المجلس العسكري والحكومة للتخلي عن الشوفينية في هذه المسألة، وكفاهم ما أفسدوه بالعناد على مدار الشهور القليلة الماضية. والقول الأخير لليبراليين: ليس هذا محل شماتة ولا رغبة في ”تلبيس“ الإسلاميين، هذه مسؤولية تاريخية، فلنكن على قدرها أو لنحملنّ وزرها إلى أبد الآبدين.

16
Dec

ثانيا: الدفاع بما يستطاع

في حدود علمي، ليس ثم سابقة تاريخية لحركة شمولية نزلت عن الحكم، سواءً أكانت قد اعتلت سدته بالطريق الديمقراطي أو بغيره، دون ثمن باهظ. فمن يظن النصر في المعركة المرتقبة مع الإسلاميين يسيرًا محتومًا إما واهم أو أحمق. فأما الوهم فقد بددته في الحلقة السابقة ما استطعت، وأما الحمق فلا دواء له عندي، ولا أحسب أن له دواءً عند غيري. فإذا استقر في صدورنا اليقين بأننا ولا ريب سنخسر الكثير في سبيل الخلاص، يبقى أن نميز بين ما هو ثانوي وما هو جوهري، بين ما يمكن أن نضحي به – ولو كان بنا خصاصة – وما لا ينبغي التفريط فيه. باختصار، نعرف أننا بصدد هجمة كاسحة على الحريات العامة والخاصة، وعلى مؤسسات الدولة، بل وعلى بنية المجتمع المصري ذاته، كما نعرف أننا قصيرو اليد قليلو الحيلة، إذن فلا مناص لنا إلا أن نقنع بالدفاع على عدد محدود من الجبهات، بما يضمن لنا البقاء من ناحية، ومن ناحية أخرى يتيح لنا أن نسترد آجلا ما سوف نخسره عاجلا.

ولهذا فإنني، وبعد طول تفكير، قد اخترت توجهات أربعة بانت نذائرها في الآونة الأخيرة لتكون محاور استراتيجيتي الدفاعية، وجميعها – كما سيتبين لكم – تنبع من خطابات أو ظواهر مجتمعية راسخة، وليست حكرًا على الإسلاميين ومن والاهم.

1-      تقييد حرية الرأي

ليست حرية الرأي واحدة من بين حريات عدة يرتكز عليها الفكر الليبرالي وحسب، بل هي الدعامة الرئيسية التي يقوم عليها هذا الفكر من الأًصل. ففي ظل القناعات الليبرالية الراسخة أنه (أ) لا يجوز لفرد أن يفرض اختيارًا ما على آخر بطريق القسر، و(ب) أن اختيارات الأفراد تختلف تبعًا لإراداتهم الحرة، و(ج) أن الأفراد مضطرون إلى العيش مع بعضهم في مجتمعات، وبالتالي يحتاجون إلى التأثير في اختيارات الآخرين، تغدو الحرية المطلقة للرأي شرطًا لازما لقيام المجتمع ذاته. والأهم أننا نعرف – بالتجربة التاريخية وبالمنطق – أن حرية الرأي تسبق كافة الحريات الأخرى، وإلا فكيف كان تحريم العبودية ليغدو ممكنا، إن لم تسبقه حرية الرأي القائل بالتحريم؟

لا عجب إذن أن يزهو الفيلسوف الأعظم ”إيمانويل كانت“ بأنه يعيش في البلد الوحيد الذي يرفع حاكمه شعار ”ناقش ما تريد كيفما تريد، فقط أطع“. كان ”كانت“ يعرف أن القانون مهما كان جائرًا، مصيره أن يتغير إن كان للناس أن ينتقدوه، وأن استبداد حاكم – كمليكه ”فريدريش الأكبر“ – لن يدوم طويلا إن كان للناس أن يعارضوه. بل إن أبا الفلسفة ”سقراط“ ارتضى حكم القانون ليشرب السم بيديه، مقابل أن يقف مدافعًا عن رأيه أمام المحكمة ليطعن في شرعية هذا الحكم وهذا القانون. أقولها بوضوح: ليفرض الإسلاميون ما شاءوا من قيود، ليمنعوا الخمور أو يلزموا النساء بالحجاب (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، ليبدلوا نظام البنوك أو يفرضوا الجزية، إن استطعنا أن ننتزع منهم حرية الرأي كاملة غير منقوصة، تكون خسارتنا أهون كثيرا من تقييد حرية الرأي وإتاحة ما عداها. التحدي الأهم، وأعتذر منكم على التكرار، هو صياغة خطاب سياسي يقنع عموم المصريين بما نراه حقا، فالمشكلة ليست أن الإسلاميين يريدون فرض هذه السياسة أو تلك، إنما أن غالبية المصريين قد فوضتهم لذلك. في استطلاع أجرته ”بيو“ في ديسمبر 2010 بين المسلمين المصريين، 84% من العينة أيدوا تطبيق حد الردة، أي إعدام كل من يترك الإسلام إلى دين آخر أو غير دين. السؤال، سيداتي وسادتي، إن كان يمكن إقناع هؤلاء بغير ذلك، وهو ما لن يتأتي إذا حجبت حرية الرأي.

فقط، وقبل أن أغادر هذه النقطة، أود التمييز بين حرية الرأي وحرية التعبير. فالتعبير يشمل، إلى جانب الرأي، الفنون والآداب وأساليب أخرى متنوعة للتواصل والاحتجاج. حديثي هنا يقتصر على الرأي وفقط، الحجة المكتوبة أو المقيلة. فتوسيع الدائرة سيؤدي إلى تشتيت الجهود في معتركات لا تقدم ولا تؤخر. ومن ثم فإنني أدعو كل مدافع عن حريته في التعبير أن يلجأ للدفاع عن هذه الحرية بالرأي أولا، ليقنع بني وطنه بالكلمة قبل أن يصدمهم بالفعل، لئلا ينتهي به الحال بلا كلمة ولا فعل، ويبدد حياته ووقتنا في صراعات هامشية. أقولها ولا أزيد.

2-      تقييد حرية التنظيم

الأشكال الثلاثة الأهم للتنظيم هي الأحزاب والمنظمات غير الحكومية والنقابات. فأما الأحزاب فلا تهمني في قليل أو كثير، لأنها التمثل الأخير للممارسة السياسية، فبعد أن يوجد الخطاب والحركة والتيار، نتساءل عن الحزب، وليس أدل على هذا من الإخوان والسلفيين. وأما المنظمات غير الحكومية، فهي عندي – لأسباب كثيرة ليس أهونها انتمائي للمنظمة التي أكتب على صفحات مدونتها الآن – حجر الزاوية في تشكيل مستقبل السياسة المصرية، والليبرالية المصرية بالأخص. فالمنظمات الحقوقية هي المدافع الأول عن الحريات العامة والفردية، ومراكز التفكير Think Tanks – حين تنشأ – هي الأمل الوحيد في صياغة الخطاب الذي لم أزل أبشر به حتى كرهتموني. القضية الكبرى للمنظمات غير الحكومية، فيما عدا مسألتي التأسيس والحل اللتين لا تتسع لهما المساحة هاهنا، هي التمويل. التمويل المحلي ميؤوس منه (مع خالص الاعتذار لنجيب ساويرس)، والتمويل الأجنبي موضع شك من الجميع. لا ريب أن ولع المصريين بالمؤامرات يلعب الدور الرئيسي في تأجيج الصراع السفيه حول هذه القضية، وليس الليبراليون بأبرياء من هذا الولع، وهم من يملأ الدنيا ضجيجًا حول التمويل القطري والسعودي المزعوم للإسلاميين. علينا أن ندير دفة الحوار المجتمعي بعيدا عن ماهية التمويل ومصدره، للحديث عن شفافية التمويل. فلنقلها عالية بينة: ليس المهم من أين تأتي بالمال، المهم هو الإعلان عن المصدر وكيفية الإنفاق. المسألة لا علاقة لها بالسيادة الوطنية وما غير ذلك من المفاهيم والنعرات القومية المنقرضة، الأموال تتدفق من وإلى كل ركن على وجه الأرض، والحكومات – بيت السيادة – أول المستفيدين.

أما النقابات، بصورتها الأحادية القائمة، فهي عنصر رئيسي في بناء النظام الكوربوراتي الفاشستي الذي تحدثت عنه آنفا، حيث تضمن التماهي شبه الكامل بين الدولة من جهة والنشاط الاقتصادي من جهة أخرى. فالنقابة الأحادية، والتي يفترض بها الدفاع عن صاحب المهنة في مواجهة رب العمل أو الدولة وهما ذات الشيء في كثير من الأحوال، ليست إلا ذراع الدولة في الهيمنة على أصحاب المهن وإخضاعهم بالشدة حينا (الشطب) وباللين أحيانا (الخدمات الاجتماعية). وعجز النقابات عن فرض هذه الهيمنة في عهد النظام السابق مرده نجاح الإسلاميين في السيطرة عليها، ووصول الإسلاميين للحكم يعني تفعيل هذا الدور وإعادة النقابات إلى الصيغة الناصرية مع صبغة أيديولوجية أكثر شمولية. لابد إذن من فتح ملف التعددية النقابية بما يسمح بفك الارتباط بين الدولة والعمل النقابي، وبالرغم من كون هذا الملف يساريًا بامتياز، فإن اليسار المصري، بكل طوائفه، لم يبرح بعد العقد الثاني من القرن العشرين، ومن ثم فلا رجاء إلا أن يخوض الليبراليون هذا الصراع ولو بالوكالة.

3-      هوس التطهير

من حسن الحظ أن المصريين في معظمهم لم يسمعوا بالاختراع المسمى بالمقصلة، وإلا لغرقت القاهرة في بحر من الدماء كما غرقت باريس في أعقاب الثورة الفرنسية قبل ما يربو على القرنين. والهوس بالتطهير في مصر أصله قناعة راسخة أن الفساد المالي هو أصل كل الشرور، وقناعة أرسخ أن مصر هي أفسد بلدان الأرض طرًا. بالطبع فإن أي محاولة مني للإحالة للأرقام لن تلقى اعتبارًا، لكن لا بأس إن ذكرت أن مؤشر الفساد في الصين، التي يجلها كل مصري وكأنها أمه، يكاد يتطابق ومثيله المصري. لكن، ولو سلمنا بأن الفساد يغمر مصر من أقصاها إلى أقصاها، فحتى جنوب أفريقيا، التي كانت تعيش تحت أسوأ نظام سياسي عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، انتهجت طريق المصالحة الوطنية بعد سقوط نظام الفصل العنصري، لتغفر لكل مذنب – ولو بالقتل الجماعي – فور اعترافه بما اقترف على الملأ.

المصيبة الوبيلة التي يحملها هذا الهوس في طياته، كونه ذريعة للإسلاميين لكي يعيدوا تنظيم مؤسسات الدولة كما يحلو لهم فور تسلمهم مقاليد الحكم. لا أتكلم هنا عن إجراءات إدارية في مصالح غير ذات بال كالشؤون الاجتماعية وحسب، وإنما تعديل كامل لخريطة المؤسسات السيادية كالشرطة والخارجية كذلك. إن لم نستطع تخفيف حدة خطاب التطهير وصولا إلى صيغة منطقية للتصالح مع الماضي، سينتهي الأمر بنا إلى دولة مصرية جديدة كلية، يتحكم الإسلاميون في مفاصلها دون منازع.

4-      هجرة النفس والمال

خروج غير الإسلاميين، مسلمين وأقباطا وأجانب، بأنفسهم وأموالهم من مصر أفواجا كارثة محتومة. لن تكون المرة الأولى، فقد خرج اليهود واليونانيون والطليان من قبلهم وتركوا البلد واقتصاده لعبد الناصر ليفعل فيهما ما يشاء. لكن الاختلاف أن المشروع الناصري اقتصر فيما جر من خراب على مصر وبعض بلدان المنطقة، أما المشروع الإسلامي فآماله كونية وطموحاته تمتد إلى سائر أرجاء المعمورة. اختصارًا، الهارب من عين الإعصار – على حد التعبير الإنجليزي – كالمستجير من الرمضاء بالنار – على حد التعبير العربي، ولن يلبث أن تطاله، أو ذريته، يد الإسلاميين أينما استقر به الرحال، ولو في نيوزيلندا. ولذا فإني أقول، محض البقاء مقاومة، وما قد نقدر عليه اليوم، قد نعجز عنه غدًا ولو بأضعاف الثمن.

بالطبع فإن مقولتي هذه تقتصر على غير الثوريين من أمثالي، أما المناضلون الملحميون، فأنا على استعداد للمساهمة معهم في نفقات التأشيرة وتذاكر الطيران، ولو اضطررت للاقتراض.